اخر الأخبارثقافية

فيلم «19 ب».. صراع الطبقات الاجتماعيّة عبر أسئلة سياسيّة

فيلم «19 ب» وإنْ كان يبدو دائرًا حول صراع في مساحة واحدة محدّدة وبين شخصيّتين اثنتين، إلّا أنّه يمكن فهمه كمساحة عامّة للأسئلة الوجوديّة المتعلّقة بنا كذوات، وبالدرجة نفسها كملعب لأسئلتنا السياسيّة الغائبة وأسئلتنا الطبقيّة والاجتماعيّة.

ينجو فيلم «19 ب» من فخّ لطالما وقعَت فيه أعمالٌ سينمائيّة، وحتى غير سينمائيّة ،وهو فخّ الصراع الثنائيّ الدائر بين خير وشرّ. الخير ممثل هنا في صورة حارس العقار الذي يُهدَّد بسطوة القوّة والعمر والجسد من قبل نصر الذي يريد أن يشاركه السّكن في هذا العقار. وليس نصر هنا رمزًا لشرّ دخيل على حياة العجوز الحارس للفيلا الخيّر.   

يضطلع الفيلم بدور مهمّ في تعرية الصراع اليوميّ في الحياة القاهريّة  بدرجة تمسّ الجميع، لأنّ صراع الحارس ونصر، وأسئلة المكان والذاكرة والسلطة، هي الأسئلة الحاكمة لما هو عموميّ ومتعلّق بنا في صراعتنا داخل حيّز المجال العام.

في الحقيقة، نأى فيلم «19 ب» بنفسه -وخيرًا فعلَ- عن براثن هذه الرؤية الثنائيّة التي هي في عمقها طبقيّة بالأساس. إنّ عالَم نصر مضرّج بفقر مغاير لفقر الحارس، فقر قاسٍ بلا رحمة، فقر نيوليبراليّ تمامًا قادر على أن يجعلك لا تجد مأوى إلّا في الشارع، بينما الحارس الفقير هو الآخر يجدُ بيتًا يؤويه، فقط بفعل قدريّ بحت متعلّق بأنّه كان حارسًا لهذه العمارة، ولا يزالُ يتقاضى مرتبًا حيال حراسته لعقار لا نعرفُ أصحابه؛ لأنّهم بكلّ بساطة قد هاجروا إلى الخارج، ولم تعد تربطهم صلة بهذا العقار. 

بين رصاصة الفقر، وغرامه، هناك فارقٌ بين عالمين، يطرحه الفيلمُ علينا بذكاءٍ شديد، دون أن يشعرنا بأيّ نشازٍ بين عالميْ الهدوء والصخب.

يُجلي لنا الفيلم الصراع الدائر بين شخصين لا يسعنا إلّا أن نتضامن معهما، فالانحياز هنا ليس لعبة بسيطة، لأنّ هذه العوالم نفسها هي عوالم مركّبة للغاية، وذات أبعاد معقّدة في امتدادها الاجتماعيّ والسياسيّ والطبقيّ. وفي النهاية أنّ صراعات البطل ونصر هي صراعات أفراد على معنى الحياة والحيّز الخاص والفقر والمعيشة، وتغيبُ السلطة هنا ولا تحضر إلّا كشبحٍ لكليهما: نصر خائف من العودة إلى السجن، وحارس العقار خائف على ذاكرته/ الفيلا. 

ففي حين أنّ نصر (السائس) يناضل من أجل اليوميّ، ومن أجل أن يجد مكانًا بقوّة العضلات والسّلطة البدنيّة وأيضًا من حاشيته من أجل المبيت مشاركًا حارس الفيلا مساحته، فإنّ حارس الفيلا يناضل من أجل ذاكرته في هذه المساحة «19 ب».

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى