اراء

التضحية.. كربلاء أنموذجاً

د. مظهر محمد صالح..

أدهشني سقراط، فيلسوف اليونان عند تناوله التضحية في أصغر نطاقاتها وهي الصديق عندما يقول: “ليس من الصعب ان تضحي من أجل صديق، لكن من الصعب ان تجد ذلك الصديق الذي يستحق التضحية”.

من هنا، اعتملت في نفسي معركة عمياء بلا حساب وتلاشت روح الزمالة العتيدة مع الأصدقاء الطغاة وكأنني اقاتل مجهولاً، استباح براءة الحياة، وحلّت محل الصداقة، ساحة موحشة كاسرة للنزاع بلا حساب وحذر. إذ ادارها صديقي ليظل حلمه شهوة الاستبداد والأذى بصمت أخرس عبر أركان أربعة تفجر في قلبها الظلام، لتقام على انقاضها أول ظاهرة اغتراب في التاريخ الانساني.

هالني ما كتبه المفكر حسين العادلي في التضحية، وهو يقترب من معركة الطف ودماء سيد التَّضحِيَة الحسين أبي الأحرار، وهو يبحث في مكنوناتها ليصيغ لنا معنى فلسفيا لاهباً في التضحية، قائلاً: الشهادة، تضحِيَة طوعية بموتٍ رائع.

المجد دونما تّضحِيَة، لصوصيّة.

المُضحّي يَسَعى للكون، والأناني لا يَسَع إلْا لنفسه.

على قدر التَّضحِيَة تكون الشّجاعة، فامتحن المواقف بها.

عندما لا يُضحّي القائِد، يصبح الشَّعب ضَحيَّة.

القائِد أوّل مَن يُضحّي لك، والحَاكِم أوّل مَن يُضحي بك.

أذكى الناس المُضحّي، إنه يحوّل ذاته إلى قضية.

التَّضحِيَة كالعِطر، لا يختبئ، ولا يُذم.

بين الفيلسوف سقراط والمفكر حسين العادلي، لا يُخفى المفكر السياسي ابراهيم العبادي الشخصية الفذة التي أبحرت في عالم الحريات، ليبحث عن خريطة الطريق لإصلاح ذلك العالم. ففي عمود ساخن عنوانه: ((الحسين صانع التواريخ ومؤسس فقه الاعتراض والاصلاح)) صحت بغداد من نومها وهي تتنفس عبق الحكمة من فوهات العقل والمنطق الذي تسلح بهما العبادي، قائلاً: ومع كل تجربة تخفق، تستعيد كربلاء مجدداً برسالتها السياسية وفكرها الاصلاحي ضد الذين (اتخذوا عباد الله خولا وماله دولا) ويدور التاريخ دورته الأولى بين معارضة وحكومة، كل منها يدعي الحقانية والصواب، إلا ان منهج الحق كان لصيق العدل والانصاف والمشاركة والمشورة.

فما من حكم اتسم بأقل القليل من هذه المواصفات إلا وخرج عن نطاق فقه الخروج والمعارضة الى فقه المداراة والمناصحة، وكان ذلك هو التوازن الحق وتوكيداً لمناسبات الحكم والموضوع، فليس الخروج سمة عامة ولا المصانعة والسكوت استثناءً نادراً، بيد ان فقه الاحكام السلطانية نسي أو تناسى حقوق الناس واهتم بحقوق الحاكم خضوعاً واعتذاراً، خشية وقوع الفتن وضياع معاش الناس وحظوظهم من الأمن الضروري، حتى تخلقت الناس بأخلاق الهارب من كل سلطة، المتفلت من كل قانون المضطجر من كل مقصد من مقاصد الشريعة، فغدت بعض شعوبنا كالبراكين، ما ان تهدأ لها ثورة حتى تعود الى هيجان، وفي كل مرة يحضر شعار العدل والانصاف ثم يتصاعد الى (لا حكم إلا لله)، فيما ان معاش الناس وأمنهم لا يستقيم إلا بضرورة وجود الدولة والدولة التي نقصدها في قاموس اليوم هي حكومة الحاكم الذي ينوب عن الناس ويحكم بتفويضهم.

لقد علّمت كربلاء الناس، الموت من أجل العدل والحرية والكرامة، والحقوق الثابتة غير القابلة للتصرف، وبقي على الناس ان يتعلموا فقه المصانعة والمداراة والمقاصد الشرعية والسياسية، فليست الثورة ملاكا عاما لكل ظرف وزمان، ولا القعود معيارا ثابتا لمنع الانزلاق الى الفوضى، بل الوسطية والاعتدال اللازمين لبناء الأوطان وصيانة حقوق الانسان.

فبين التضحية وبين فقه الاعتراض والإصلاح، تعلو منهجية الحسين من محراب الحرية والثورة والتصدي لدورة حياة الطغاة والاستبداد في معادلة زمنية عنوانها (الثورة الدائمة). فمهما تبدلت أشكال الاستبداد وعناوينه ومسمياته عبر التاريخ، فان تلك المنهجية مازالت تشكل الأساس الحسي والموضوعي المنسجم والموحد لكل أحرار العالم كي يضمهم معسكر الثورة الحسينية. فمنهج الحسين الثائر في وجه أركان الاستبداد والطغيان هو منهج فاعل يمتلك عبر التاريخ القدرة على كشف وتمزيق كل الأغطية الوهمية المزيفة التي تصطدم مع الثورة الحسينية بكونه منهجاً للحرية وخريطة طريق يتبعها الأحرار حصريا وتلفظ الطغاة في مسار الحريات عبر التاريخ.

فقد بات اليوم من اليسر، الجمع بين مجموعات الأحرار في العالم من جيفارا ونلسون مانديلا وحتى الثورة الجزائرية عبر التاريخ الانساني من جهة، وبين منهج الحسين عبر قضية واحدة: هي فقه الحريات والدفاع عن صلاح الانسان على وجه الأرض والتصدي للاستبداد والعبودية والفصل العنصري ومحاربة الطغيان. ولكن يبقى أساسها مرتسم الحريات الذي وسمه الحسين “عليه السلام” في بناء فقه الحرية والثورة والتصدي للطغاة والاستبداد مهما تبدلت أشكالهم وعناوينهم ومسمياتهم عبر التاريخ.

إذ شكلت تلك المنهجية الأساس الانساني المنسجم والموحد لكل أحرار العالم كي يضمهم معسكر الثورة الحسينية.

إذ يمتلك منهج الحسين الثائر “عليه السلام” في تحدي أركان الاستبداد والطغيان عبر التاريخ، والقدرة على كشف وتمزيق الاغطية الوهمية المزيفة التي تصطدم مع مبادئ الثورة الحسينية بكونه منهجاً للحرية الثائرة وخريطة طريق يتبعها الأحرار حصريا.

فهكذا تصطف مناهج الأحرار تلقائياً مهما اختلفت أيديولوجياتهم في معسكر أسسه الحسين الثائر بالفطرة النقية وفي مسار واحد لم تنطفئ جذوته ويظل أساسه هو الدفاع عن حقوق الإنسان ووقف الطغيان وقمع الاستبداد وبناء طريق الاصلاح.

فهي في الوقت نفسه، حركة تلقائية مستمرة في مواجهة (اضدادها) إذ مازالت الثورة الحسينية تظهر لنا جلياً وعبر التاريخ بان اصطفافاً مضاداً جامعاً بالمقابل يلتحم فيه نُهاب الثروات والطغاة (مهما اختلفت مذاهبهم وأديانهم) في معسكر مضاد منسجم يجمع الطغاة على مر التاريخ ومهما زوقت أوجه استبدادهم بمظاهر التدين الزائف، فهم الخصم التاريخي للثورة الحسينية مهما بلغ الزيف مداه.

ختاماً.. انها الثورة الدائمة ثورة الحسين “عليه السلام” ملهم الأحرار على مر التاريخ، وفي معسكر جمعي عالمي واحد عنوانه مقارعة غلو دورة حياة الطغاة عبر أزمنة الشعوب وحرياتها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى