اراء

 العرب…مجرد قطع غيار ادمية؟!

بقلم: اسيا العتروس..
عندما تبادر سلطة الاحتلال و تعلن  رئاسة حكومة الكيان الاسرائيلي رغبتها و استعدادها لاستضافة محادثات بين البرهان و حميدتي القائدين العسكريين  المتناحرين اللذين عبثا بالسودان و جعلا منه  ساحة غارقة في دماء ابنائها فان في ذلك ما يكفي لاعلان تحلل الجسد العربي و تحوله الى مجرد قطع غيارا ادمية تثقل كاهل المجتمع الدولي …و ربما لا نجانب الصواب اذا اعتبرنا أن مصطلح قطع الغيار الادمية وعلى قسوته وما يحتمله من تأويلات سلبية قد لا يكفي لنقل الصورة على حقيقتها …طبعا ندرك جيدا ان سلطات تل ابيب ابعد من ان تعمل من اجل فرصة للسلام بين السودانيين بل اننا لا نستبعد دورا اسرائيليا خفيا وراء تاجيج الفتنة فليس سرا ان اسرائيل كانت و لا تزال اكبر مستفيد من كل الانقسامات والازمات و الصراعات و الحروب الاهلية العربية العربية بما في ذلك الانقسامات الفلسطينية الفلسطينية ..ولا يمكن لاي وساطة اسرائيلية ان تجلب للسودان او غير السودان مقدار ذرة من السلام ..وهذا ليس انسياقا وراء نظرية المؤامرة والشماعة التي تتحمل كل الماسي والمحن ولكن الحقيقة ايضا أن في هذه الدعوة الخبيثة التي اطلقتها اسرائيل محاولة لا تخفى على مراقب للترويج  لا لعلاقات اسرائيل مع السودان و تحديدا مع البرهان رئيس المجلس العسكري و حميدتي قائد قوات الدعم السريع فحسب ولكن ايضا و هذا الاهم  للترويج لدى الراي العام الدولي أن هذا الكيان , الذي يحتل الارض و يقتل الاطفال والنساء و يستبيح المقدسات,  وسيط مهم وبدعم من واشنطن لتحقيق السلام الموؤود في بلد عربي يقتل ابناؤه بعضهم البعض ولا يجدون في الجامعة العربية ولا في أي بلد عربي أو افريقي صوتا حكيما  يحتكمون اليه بامكانه حقن الدماء وتجنيب الشعب السوداني مزيد الماسي والجروح الدامية ..المثير أن الخارجية الاسرائيلية تزعم انها اتصلت بالطرفين وانها تهدف الى  اتفاقيات تسمح بوضع حد للعنف والحرب في السودان ” ليس سرا ان وزير الخارجية الاسرائيلي  إيلي كوهين زار الخرطوم قبل نحو ثلاثة أشهرو أنه يسعى لاستمالة الطرفين البرهان و حميدتي للمضي قدما نحو اتفاق التطبيع المعلق وهو بهذه الخطوة يسعى ايضا للحفاظ على جسور التواصل مع الجانبين تحسبا لما يمكن ان تؤول اليه نتائج المعارك الميدانية فيخرج من المشهد بيد فارغة واخرى لا شيء فيها خاصة و ان الشعب السوداني و برغم حالة تأبيد الازمات التي يعرفها منذ عقود يرفض بشدة هذا التطبيع المجاني و يقف لاصحابه بالمرصاد …لا خلاف أن للاسرائيليين ما يكفي من الدهاء للتسلل بين شقوق كل خلاف يمكن ان يحدث بين العرب لفرض موطئ  قدم لهم و الاستفادة من حالة الضياع و الفراغ التي يمكن ان تحصل …
لا احد اليوم بامكانه ان يتكهن بما يمكن ان تؤول اليه الحرب الدائرة شمال السودان وهي حرب حقيقية شاملة وليست مجرد اشتباكات بين جماعات مسلحة و الموجهات قائمة بين جيشين يمتلكان من العتاد و السلاح و القوات البشرية ما يمكن أن يمدد أمد المعارك الى حين استنزاف وانهاك الجميع ..وها هي الحرب الروسية في اوكرانيا دخلت عامها الثاني على التوالي دون ادنى مؤشرات عن قرب موعد توقف القصف و الرصاص ..و الامر ينسحب على المشهد الراهن في السودان حيث يمكن ان تمتد الحرب كسابقاتها سنوات او عقود طالما توفرت الامدادات من السلاح و كل اسباب الخراب و الدمار ..
ولاشك أنه بمجرد انتهاء عمليات اجلاء الاجانب من ديبلوماسيين و موظفين فان المعارك قد تتخذ وجهة مختلفة و تتحول الى حرب عرقية مدمرة ..لقد أظهرت عمليات اجلاء الاجانب من السودان  أنه عندما يفرض المجتمع الدولي قراره فانه يتمكن من تحقيق اهدافه فقد امكن اجلاء الراغبين في مغادرة السودان دون حدوث ما يمس سلامة هؤلاء و رضخ كل من حميدتي والبرهان الى مطالب المجتمع الدولي والتزموا بالهدنة المؤقتة و لوا لى حين وهذا ما يعكس مجددا نفاق المجتمع الدولي و انسياقه الى لعبة المصالح لا غير..وقناعتنا أن المجتمع الدولي قبل اللعبة وقام بالتنسيق مع الجانبين لضمان خروج الاجانب سالمين وأمنهم من الموت وجعل سماسرة الحرب يقبلون صاغرين هذا الامر..في المقابل تستمر مخاوف السودانيين على وقع أزيزالرصاص و أصوات القنابل و شح الاغذية و الادوية و مختلف الاحتياجات اليومية ..الا انه و كعادته فان الشعب السوداني لا تنضب مخازن معنوياته المرتفعة و هو الذي يصر على اخراج أجمل ما فيه خلال المحن ليرفع صوته ما امكن رافضا منطق الحرب و ما تحمله من خراب و دمار وضياع للاجيال …

الواقع ان هناك حقائق لا تقبل التشكيك بان في السودان اجتمعت كل الاسباب التي تعزز اطماع الخارج و تدفع للتكالب عليه فجغرافيا السودان، كما هو تاريخه وحضارته، صنعت أهميّته ومكانتة ودوره الاستثنائي على المستويين الاقليمي والدولي، فالسودان يقع على ساحل البحر الأحمر بامتداد يبلغ نحو ثماني مائة كيلومتر وهذا الساحل الطويل يجعله منطق استراتيجية استثنائية في الانشطة التجارية و لكن ايضا كحلقة وصل  بين ساحله وبين الساحل الشرقي للمحيط الأطلسي، وهو بذلك يربط بين السودان وبين دول غرب أفريقا وكل القارة الافريقية بما يعني أن انظار العالم تتطلع الى ما سيؤول اليه المشهد في السودان ..وفي انتظار ما ستحمله الساعات القادمة وعلى أمل ان تنتصرارادة السلام و يستعيد اهل السودان حقهم في  الكرامة والحرية في تقريرالمصير وانتخاب سلطة مدنية تقوم على المواطنة و اعلاء شان المواطن السوداني و تفضي بعودة الجيش الى الثكنات ..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى