كارثة البنوك والمقترضين في الأردن.. أزمة تلد أخرى ولا حلول في الأفق

بقلم/ الدكتور عبدالمهدي القطامين..
ثمة أزمة كبرى تواجه الأردنيين هذه الأيام وفي الأيام القادمة، وليس لدى القائمين على السياسة المالية والنقدية والمجتمعية، أي تحرك تجاه خلخلة أركانها تمهيداً لحلها أو وضع تصور أو سيناريو لآلية التعامل معها وهذه الأزمة التي كانت صامتة حتى ظهرت للعلن، بعد ان انكشفت رواتب المقترضين من البنوك، وباتت البنوك تستولي على رواتب المقترضين كاملة، وحين لم تعد كامل الرواتب تفي بما تريده البنوك، بدأت بترصيد مبالغ هائلة الى نهايات عمر القروض على شكل تسميه اللغة المصرفية “بالون بيمنت” وهي مبالغ طائلة ترصد في نهايات عمر القرض على شكل دفعة واحدة تصل أحيانا الى ما يقارب ربع المبلغ الأصلي المقترض من البنك، وقد حاولت بشكل منفرد اطلاق صيحة تحذير من الواقع المرير الذي يعيشه ما يقرب من نصف المجتمع الاردني عبر تأسيس جمعية للدفاع عن المقترضين ووقف تغول البنوك عليهم، على ان يكون دور هذه الجمعية يركز على أمرين أولهما الدفاع عن المقترضين قانونياً والأمر الثاني التوعية المالية لشرائح المجتمع المقترضة أو المقبلة على الاقتراض إلا ان العقبات بدأت تواجه تشكيل الجمعية، فالمزاج الحكومي لا يراها مناسبة والبنوك تراها خطراً يهددها ويهدد سياساتها المنفردة في التعامل مع المواطن كما تشاء، ودون اي ضوابط قانونية وأخلاقية ايضا بل ان الحكومة كانت شريكة في تضليل الجمهور عندما لجأت في أزمة كورونا الى مواجهة التوقف الاقتصادي الذي حدث بفعل الاغلاقات الى تأجيل اقساط المقترضين أكثر من خمس مرات، وكانت في كل مرة وعبر تصريحات البنك المركزي تؤكد، ان التأجيل بلا فوائد ليتفاجأ الجميع بعد ان انقشعت غمامة كورونا، ان كل تأجيل كان له ثمن باهظ فقد زاد تأجيل اي قسط عن ثلاثة اضعاف قيمته الحقيقية وفوجئ الناس انهم خضعوا لعملية خدعة كبيرة من البنوك ومن الحكومة التي كانت تسعى فقط الى زيادة تدفق النقد في السوق وتلبية احتياجات المواطنين من السلع والخدمات وعدم انكشافها مالياً في ظل الاغلاقات الاقتصادية التي مورست بعشوائية وجعلت الاقتصاد الذي يعاني من مشاكل كثيرة على فوهة بركان عاصف .
ومن عجائب السياسة الاقراضية التي اطلقت على عواهنها تبعاً لسياسات البنوك، ان القرض الذي كان ينتهي على سبيل المثال عام 2040 تمدد ليصل الى عام 2060 بمعنى ان عمر القرض أصبح أطول بكثير من عمر المقترض وهذا يجعله يخرج تلقائياً من مظلة التأمين على الحياة الذي ينتهي بحلول عمر السبعين للمقترض وذويه، الأمر الذي يهدد المجتمع ويضعه على كف عفريت.
ماذا تنتظر الدولة الأردنية بعد ان أصبح المواطن وجهاً لوجه مع غول البنوك الذي يفتك بالجميع بلا رحمة ولا شفقة والمواطن الذي بات على الطوى ولا يجد من راتبه التقاعدي أو معاشه العادي ما يشتري به خبزاً بل أصبح مطلوباً منه ان يضيف على راتبه المحجوز للبنك، لكي يتمكن من سداد قيمة القسط وإلا فالبنك جاهز للإنذار والحجز على حطام الدنيا التي يمتلكه المواطن.
لقد مرَّت عليَّ مئات الحالات من المواطنين باتوا بلا أي دخل ولا أي مورد مالي جراء رفع سعر الفائدة الذي مارسته البنوك تحت مظلة تعاميم البنك المركزي، حفاظاً على قيمة الدولار وانسجاماً مع رفع الفائدة من قبل البنك الفدرالي الامريكي حتى وصلت بعض أسعار الفائدة في أغلب البنوك أكثر من 12% بعد ان كانت بحدود الـ 6% أي ان الفائدة تضاعفت ولم أجد حقيقة أي معنى للرفع المتتالي لأسعار الفائدة اذا قارنا تلك الأسعار بالأسعار التي وضعه الفدرالي الأمريكي، فمع كل الرفعات التي قام بها الفدرالي الامريكي لم تصل الفائدة هناك الى 5% على المقترضين وطال الرفع فقط القروض الجديدة، أما القروض القديمة فد ظلت على نفس الفائدة المتفق عليها في توقيع العقد بين المقترض والبنك علما ان التضخم في أمريكا وصل الى ما يقارب 8% بينما في الأردن فلم يتجاوز 4%.
سياسة العمل برفع فائدة القروض على القروض القديمة هي سياسة فاشلة وغير قانونية ولا تنسجم مع منطق الاقتصاد ولا مع منطق العدالة ولا تندرج تحت اية شريعة ويدرك أغلب المفترضين هذا المنطق، لكنهم عاجزين عن تأمين رسوم رفع القضية على البنك واتعاب أي محامٍ يتوكل بالدفاع عنه .
على الدولة ان تقف مع مواطنيها في هذه المحنة، وان لا تقول له أذهب أنت وبنكك فتقاتلا وعلى الدولة ان تتخذ قراراً صارماً تجاه البنوك والشركات المالية التي تغولت على قوت المواطن بطريقة غير قانونية، وان تشدد الرقابة على البنوك والشركات المقترضة التي تنمو هي الأخرى بطريقة شيطانية ولا أشك لحظة واحدة ان التزام الدولة الصمت سيكون كارثياً على الناس وعلى المجتمع وعلى الاقتصاد.



