السمة الإسلامية والتأثر بالقرآن الكريم في شعر رشيد مجيد

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…
يرى الناقد أ. د مصطفى لطيف عارف، ان السِّمة الإسلامية والتأثُّر بالقرآن الكريم كان واضحاً، في جميع قصائد الشاعر رشيد مجيد.
وقال عارف في قراءة نقدية خصَّ بها “المراقب العراقي”: تحتلُّ الأفكار والقيم الدينية والإسلامية، دوراً كبيراً في ثقافة الشَّاعر العراقي رشيد مجيد بشكلٍ عام، وتعكس غلبةَ السِّمة الإسلامية التي تتسق مع نظرة الشاعر، وقناعتهِ المستمَدة من الأيديولوجيا الدينية وعقيدتهِ الإسلامية التي ينتسب إليها، ويُمثِّل التأثُّر بالقرآن الكريم أولَ مظاهر التأثُّر الديني، كما تبرز إشارات كثيرة أيضاً إلى الذات المقدسة، إذ يجد فيها الشَّاعر مجالاً لاستحياء فكريٍّ وفنِّي بما تثيرهُ في النفس من مشاعر إنسانيةٍ تتسع لتجسيد نظرة الشاعر، فهو يستلهم منها الدروسَ لرفض الواقع والسعي إلى إعادة بنائه على أُسٍّ أخلاقيٍّ جديدٍ، ونراه يقدس الذات الإلهية، ويرى أنها السر كله، وان البشر مهما أوتوا من العلم لن يتوصلوا إلا إلى النزر اليسير فها هو يقول:
يا عالم الإسرار كم عالم مات وسر الكون في برقع ؟
لا الجاهل الممعن في جهله يبدو له الكنه ولا الألمعي
نحن ما نعلم في موضع ولغزك المبهم في موضع
من يدعي فوض متاهاته يكفيه جهلا انه يدعي
إنَّ الشاعر المعاصر في استلهامِهِ التراثَ العربيَّ والإسلاميَّ، كان يحاول استغلالَ ما في التراث الإسلامي من مادة صالحة؛ لإثراء السِّياق الشِّعري, وإبراز ما ينطوي عليه من قِيمٍ إنسانيةٍ خالدةٍ, فالشاعر باستحضارهِ للمرجعيات النَّصيَّة الدِّينية كان يهدف إلى غرض التلميح والترميز بارتباط تلك المرجعيات بوشائج النفس الإنسانية بما تُفصِحُ عنها أهدافها وشخصياتها ومدلولها العام.
ان من ابرز المسائل التي دار حولها رشيد مجيد، وتأملاته هي مسالة التوحيد، بل لعلها تمثل أكبر المحاور التي دار حولها في أشعاره فكرا, وبحثا, وتأملا, فنراه يقول:
عندما تنسج ذاتي
في المدى المجهول تستجلي ذراه
لم تكن إلا ذراه
لم تكن إلا امتداد
أزلي البدء, لا قبل ولا بعد سواه
أيها الأقرب من جفن لعين لا تراه
أنت يا أدرى بضعفي
إنَّ الذَّات عندما تلتجئ إلى الاغتراف من مصادر ثقافتها الدينية، تشعرُ أنَّ هذا الأسلوب هو الكفيل بإيصال المعنى المراد أو قول ما لا تستطيع قوله، وإيصال ذلك إلى المتلقي ومن ثَمَّ شدّ أزرهِ في إيصال المضمون, وبهذا التلاقي بين التضمينات التراثية، يُحقَّق للنص المبدع خاصيةَ التواصُل مع المتلقي؛ لتغدوَ منظومة المبدع الثقافيَّة رافداً مُهمَّاً في تغذية النَّص الشعري بوسائط تُضفِي على النَّصِّ الأدبي قيمةً إبداعيةً ومعرفيَّةً ثرَّةً, والشاعر رشيد مجيد يتمنى لو يرى الله جل جلاله, ولكنه يحاول وسيبقى يحاول ما دام يملك شيئا من الزيت المقدس, فإننا وجدناه يقول:
أرني جمالك قد سئمت تخيلي
فيما أحس, وملني إلحاحي
ما دام في قلبي من الزيت المقدس قطرة
فمبارك مصباحي
وعليه فإنَّ مجهود الشَّاعر يظهر في الاختيار الدقيق للنص الموظَّف, وفي تحديد القرائن والإشارات الدالة عليه, فالنصُّ يتكوَّن من المراجع والأصداء التي تتجاوز النص من جانبٍ إلى آخر في تجسيمةٍ متميِّزةٍ، ويدلُفُ الشاعر كذلك إلى توظيف الرموز الدينية الثورية وتحشيدها في نصِّهِ الشعري؛ لإظهار العلاقة بين الذات والآخر الثوري ضمن الإطار العقائدي أوَّلاً, وثانياً معرفة طبيعةِ العلاقة بين الذات المضطهَدة وعلاقتِها بالآخَر السلطوي.
ويريد الشاعر رشيد مجيد، ان يذوب في الذات المقدسة, ويطلب منه العفو, والمغفرة, لما قام به من ذنوب, والشاعر رشيد مجيد يبدو لي هنا متأثرا بآراء عمر الخيام, فنراه يقول:
مبارك وجهك لم اسجد لغيره, وان
أثقلني وزري وأشقتني خطايا زلتي
مبارك وجهك ما أعذب ما أفني به؟
وما ألذ ما أقاسي من جوى ولوعة؟
وألف سبحانك إني عاشق
أهواك أهواك, وهذي فطرتي
إذن ثَمَّةَ أبعاد إنسانية جمَّة تدفع بالذات إلى أن تتعامل مع الدلالات والرموز الدِّينية, منها رغبتها في تعظيم الآخَر الديني والتَّواصُل معَهُ, بما يُحقِّق للنص الشعري عنصري الدَّيمومة والثَّبات من خلال ارتباطهِ بالآخَر الديني, وفي الوقت نفسه فإنَّ هذا الخزين الثقافي يُوثِّق صلةَ الذات بمذهبِها وعقيدتِها, ويُجلي رغبتَها في تمثُّل إيحاءاته, من خلال التوظيف الدقيق له والمحافظة على جوهرِهِ الديني, وعدم التجاوز عليه, فنراه يقول:
لوجهك السجود مذ فطرتني
في البدء, واصطفيتني, كما أنا
كنت ومازلت
لو تأملنا هذا المقطع الشعري، لوجدناه يحتوي على الشعر الرائع الذي يدل على أيمان الشاعر العميق بالله سبحانه وتعالى، وفنية رائعة تدل على قدرة الخالق العظيم وسيطرته على الكون، فنراه يقول:
أنت يا أقرب من ذاتي إلى ذاتي يداك
أتمنى لو أراك
لو تهاوى عند أعتابك قلبي
كأن قلبي في حماك
يا خطى عيني فيما أتحرى
خلف إبعاد الحياة.



