اخر الأخبارثقافية

العقلانيَّة والتجريبيَّة في المسرح الكلاسيكي الجديد

د. علاء كريم
يعد المسرح الكلاسيكي الجديد مظهراً أدبياً، وهو بمثابة رؤى مغايرة تمثل عصر التنوير. وبالتالي، استند هذا المسرح إلى مبادئ العقلانية والتوازن والانسجام التي اقترحتها جماليات التنوير السائدة. يشير مصطلح “الكلاسيكية الجديدة” إلى اهتمام الفنانين في “القرن الثامن عشر” عبر استعادة أسس العصور الكلاسيكية القديمة، وتكييفها مع الاحتياجات الاجتماعية والسياسية والثقافية في الوقت الحالي. فضلاً عن أنه تأثر بـ “التنوير” الذي هو حركة فكرية تجديدية اقترحت مراجعة نقدية للقيم والأفكار السائدة، وبالتالي، تم تغذية الكلاسيكية الجديدة من قبل تيارين رئيسيين في الفكر، هما: (العقلانية) التي تعد العقل ركنًا من أركان المعرفة البشرية. وايضاً (التجريبية) التي تمثل شكل من أشكال المعرفة وتقوم على الملاحظة والتجريب.
على الرغم من أن المسرح الكلاسيكي الجديد سعى إلى تثقيف المواطنين من جميع الطبقات الاجتماعية، إلا أن موضوعه كان على الدوام يعالج الإشكاليات اليومية للواقع البرجوازي، أي أن الكتاب المسرحيين الكلاسيكيين الجدد اختاروا شخصيات لـ “أبطال” ينتمون إلى مكانة برجوازية، ميسورة الحال مع مستوى معين من التعليم. رغم أنه أي المسرح الكلاسيكي الجديد استوحى بعض مفاهيمه من التقاليد اليونانية الرومانية. إلا أنه في الواقع كان له تياراً معرفياً تنويرياً يركز على العقل، لهذا السبب سعى إلى ترشيد المعرفة البشرية في جميع جوانب الحياة، وحل الفكر المستنير محل الدين كشكل من أشكال تنظيم الوجود البشري، وأسس مساحة انطلاق للرؤى العلمانية التي تحكمها المفاهيم العلمية.
لذا سمحت مفاهيم المسرح الكلاسيكي الجديد للكتاب المسرحيين والفنانين في عصر التنوير، بالتعبير عن المثل العليا الجديدة في ذلك الوقت وفرضها، لأجل تميّز هذا النوع من المسرح على اتباع الكلاسيكية، فضلاً عن وجود عنصر تعليمي وأخلاقي قوي، تم تطبيقه في التجليات الفنية الملامسة للتناغم والكمال في شكل ومضمون المعرفة الموضوعية.
استدعى ذلك إلى مشاركة الفنانون الكلاسيكيون الجدد في إصلاح الممارسات والسلوكيات الاجتماعية، بهدف خلق بيئة مدنية تتضمن مجموعة القيم الجمالية عبر أساليب أقناع الخطاب النظري. حينها كانت هناك طرق متعددة للتواصل من أجل اقناع الجماهير، منها: المنبر أو بوساطة المسرح، لكن المبادئ الكلاسيكية الجديدة اعتمدت المسرح للوصول إلى الجمهور، وذلك لأن المسرح كان هو النوع الفني والأدبي الأكثر سهولة. ايضا لسهولة استخدام الاشتغالات السمعبصرية واستمرار تقديمها، حتى تصل للمشاهد في المسرح بطريقة سريعة، رغم وجود بعض التغييرات في القرون اللاحقة.
ومن معطيات المسرح الكلاسيكي الجديد، هي أن إنتاجاته أخلاقية وتعليمية، قد يتعلم الفرد أو الناس على الفضائل والرذائل الكبيرة، وايضاً حرضهم على الخير والإنسانية، وفي حالة المأساة، يبث المسرح رسائل على أن الرذائل لا تمر دون عقاب، عبر أداء كوميدي يمثل إشكاليات الحياة اليومية، وطرق معالجتها، وهذا قد يكون قريب إلى “الكوميديا السوداء”، والتي هي نوع من الهجاء، وتمتاز بأنها تدور حول مواضيع تعد تابوهات أو أمور “محرم الخوض فيها”، بحيث يتم التعاطي مع تلك المواضيع بشكل فكاهي أو ساخر مع الاحتفاظ بجانب الجدية في الموضوع. رغم أن المسرح الكلاسيكي الجديد أحترم المعايير الكلاسيكية الأخرى، مثل حقيقة أن الكوميديا والمأساة لا ينبغي أن ينجمعا، وهذا يعني أن الكتاب المسرحيين الكلاسيكيين الجدد يرفضون “التراجيكوميديا” كنوع أدبي.

كما أهتم المسرح الكلاسيكي على “وحدات” معينة، منها: وحدة (الوقت والمكان والعمل). نصت قاعدة الوحدة الزمنية على أن الوقت الداخلي للأداء لا يمكن أن يتجاوز أربع وعشرين ساعة، بينما نصت وحدة المكان على أنه لا يمكن أن يكون هناك سوى مرحلة واحدة يدخل خلالها الممثلون ويغادرون، فضلاً عن وحدة العمل والتي أكدت على تطوير ثلاثة أعمال تتكون من البداية والوسط والنهاية.
وهناك العديد من الكتاب والممثلين الذين كان لهم حضور واضح ومهم في “المسرح الكلاسيكي الجديد، منهم: (لياندرو فرنانديز دي موراتين 1760-1828)، كان لياندرو شاعراً وكاتباً مسرحياً إسبانياً، وهو كوميدي كلاسيكي، مهم ومجدد في عصر التنوير، وقد جسد احداث الثورة الفرنسية بكل تفاصيلها. أعتمد لياندرو في اعماله على فرضيتين أساسيتين، هما: المسرح ليس فقط للمتعة، لكنه مدرسة للأخلاق الحميدة، فهو يحاكي الواقع بصدق. لهذا السبب، بقي فرنانديز مرتبطًا بالقواعد الدرامية، خاصة قاعدة الوحدات الثلاث. ومن أهم أعماله (الرجل العجوز والفتاة)، عرض لأول مرة في عام (1790)، في هذا النص، أظهر الكاتب المسرحي رفضه للزواج بين كبار السن من الرجال والفتيات الصغيرات جداً، ليس فقط بسبب فارق السن، ولكن أيضاً بسبب عدم الاهتمام من جانب الفتيات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى