إيران تخوض أعنف معارك القوة
بقلم/ ايفان العودة..
تدور هذه الايام معركة حامية الوطيس خلف الكواليس بين الإيراني والأمريكي، مما اضطر الأخير إلى توجيه ثلاث رسائل خلال أسبوع وعبر وسطاء لطهران، آخرها الى العمانيين، تحمل مطالب جديدة وتنازلات أمريكية، توحي بإمكانية الرجوع إلى الاتفاق النووي.
كما استلم الطرف العماني الجواب برفض المطلب القديم المتجدد لمواضيع خارجة عن سياق المفاوضات النووية وعدم ادراج المنظومة الصاروخية الدفاعية لإيران للتفاوض، ونفس الحال بالنسبة لرفع الدعم عن المقدّم للقضية الفلسطينية ولدول محور المقاومة. أدركت ايران منذ بداية الأحداث التي حصلت داخليا أهداف التحركات وخلفيات الداعمين، من الدول الغربية لتأتي الرسائل كاشفة عن هذه الحقيقة، بمعنى أنّ دعم الإرهاب بقوّة، سيدفع إيران إلى الخضوع، وبالتالي الدفع بطهران إلى فتح ملفات منها الداخل وأخرى ذات بعد إقليمي، لم تكن مدرجة ضمن مفاوضات الملفّ النووي. ضمن هذا المعطى كانت رسالة الصاروخ الباليستي الأخير الذي لا ترصده الرادارات وقادر على اختراق جميع منظومات الدفاع التي تملكها الأطراف المعادية لإيران، لتكون الصدمة، حين نعرف أن تقنية الصواريخ “الفرط صوتية” الذي يزيد سرعته على ستة آلاف كلم في الساعة، لا وجود لتكنولوجيا يمكن أن تعترضه ولا تمتلكه إلا ثلاث دول روسيا وأمريكا والصين، يضاف إلى هذا الحسم قرار الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بإعلان تخصيب اليورانيوم بنسبة 60% في موقع فوردو، كما اطلقت سلسلتين جديدتين من أجهزة الطرد المركزي في منشأتي نطنز وفوردو، واستبدلت أجهزة الطرد من الجيل الأول بأخرى من الجيل السادس، مما سيزيد من قدرة إيران النووية بمقدار 10 أضعاف، مع امكانية رفع التخصيب لتسعين في المئة.
ما سرب عبر الإعلام كان صدمة بالنسبة للدوائر الغربية التي اصبحت تدرك جيدا أن جمهورية إيران الإسلامية اصبحت لديها الامكانيات العلمية والتكنولوجيا الكاملة لصناعة اسلحتها الدفاعية والاستراتيجية، وهذا ما كان يتخوف منه وعمل على ايقافه بشتى الوسائل من تصفيات علماء، إلى التفجيرات وسرقات ملفات لحصار وقرارات ادانة ومؤامرات وتوجيه معظم قرارات المحافل الدولية ضد إيران.
تبادل الحرب الكلامية بين إيران من جهة والوكالة الدولية لطاقة الذرية والاتحاد الأوروبي من جهة أخرى هو تغطية لعجز أوروبا غير القادرة على فعل شيء في وضعها الراهن كما هو الحال بالنسبة للوكالة الدولية للطاقة الذرية التي فقدت أهم وسيلة ضغط لكاميرات المراقبة في مجمعات التخصيب التي كانت موضوعة تحت تصرفها واشرافها. مواقف المخاتلة للترويكا الأوروبي (فرنسا وبريطانيا وألمانيا) في الوقت الضائع يعد نفاقاً لتماهي سياسي مع سيدهم الأمريكي وفاقد الشيء لا يعطيه.
حيث ادعت هذه الدول الثلاث في بيان اصدرته في مجلس حكام الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أن الوضع الذي نعيشه هو في بالغ الخطورة، وتطلب من إيران التحول عن موقفها المتصلب الحالي، وتوقف توتراتها النووية حسب ما قالته.
بما جرى في الآونة الأخيرة في إيران انكشف للجميع نفاق الاطراف حين كانت طهران تتفاوض ايجابيا في فيينا، وتطلب من الجميع تحمل مسؤولياته القانونية والسياسية، ليتسنى الرجوع للاتفاقية، لتبين بما حدث أن المحور الأمريكي الأوروبي الصهيوني بالتنسيق مع الاعراب، كان يحشد في قواه بتدريب عناصر لثلاثة تنظيمات عرقية ومجموعة خلق وبقايا الشاه وخلايا التكفيريين وخصص لهم ميزانية قاربت 900 مليون دولار وتم تدريبهم على حروب الشوارع والاغتيالات والتفجيرات وإدارة الفوضى. كان المخطط يقتضي بإعادة تجربة سوريا ولم تنجح معهم للالتفاف الشعبي الكبير الذي حصل مع قيادته، مما اضطر الاطراف المتورطة باللجوء لعمليات منفردة، كل هذه المؤامرات ستبوء بالفشل فقد عاشت إيران مع بدايات انتصار الثورة الإسلامية ظروفاً يمكن القول إنها مشابهة ولعلّها أصعب من تصفيات لشخصيات وتفجيرات وحصار يضاف إليهم الحرب المفروضة التي دامت ثمانية سنوات. برغم المحاولات المفضوحة والمستميتة للغرب بجعل أوضاع الشرق الاوسط وشمال افريقيا بين توتر دائم وعدم استقرار وحلول غير ممكنة في حدود جغرافيا طهران فلسطين سوريا لبنان اليمن والعراق وليبيا لخدمة معسكر العدوان الصهيو – أمريكي وحلفائه، إلا أن المُعطى الدولي الذي شكلته أزمة الحرب في أوكرانيا غير كل الحسابات التكتيكية وسيغير الاستراتيجي كذلك حيث يعتقد المراقبون أنّ قرار الفصل في المعركة لن يتجاوز فصل الشتاء، لنصبح بين خيارين لا ثالث لهما، إما حرب شاملة وهذه لا يقدر عليها الغرب مع كل ما يعانيه من الأزمات القائمة ونسبة تضخم ترتفع يوميا والتحضير لإعلان عن بداية الركود الاقتصادي، وإما الجلوس إلى طاولة مفاوضات نديّة لحل الملفات الشائكة ومن أهمها قرارات الحصار، قبل انزلاق العالم لهاوية خطيرة. أصبح من اليقين استحالة تركيع المقاومة بالسياسة القائمة ومع المستجدات الدولية الجديدة ووضوح الرؤية يكرّس اصطفاف المحور في خارطة القطبية الجديدة وعلى هذه الحسابات لن تقبل الصين بهزيمة روسيا مهما كلف الأمر، ولن تقبل روسيا بانكسار إيران مهما كانت الظروف ولن تقبل إيران بهزيمة المقاومة مهما كان الثمن، وإن غداً لناظره قريب.



