“مرح في الأساطير” باسم فرات المسكون بحب الترحال في المنافي

المراقب العراقي / المحرر الثقافي…
يُعد الشاعر باسم فرات شاعراً مسكوناً بحب السفر منذ شبابه الباكر، حتى تمكّن من تحقيق حلمه بهذا التطواف الواسع في البلاد العربية والغربية وبلاد الشرق الأقصى، وانعكس كل ذلك على شعره وآخره ديوان “مرح في الأساطير”.
وقال فرات في تصريح خصَّ به “المراقب العراقي”: في مسقط رأسي ومدينة أسلافي، وفي إحدى أجمل البنايات وأحبها إلى نفسي وذاكرتي، “المكتبة المركزية العامة في كربلاء” وفي تمام الثالثة والنصف عصر يوم السبت الموافق التاسع عشر من شهر تشرين الثاني 2022 ميلادية، احتفى اتحاد الأدباء والكتاب في كربلاء بتجربتي في أدب الرحلات وفوزي بجائزة السلطان قابوس للثقافة والفنون والآداب، التي فزت بها عن مجمل أعمالي في أدب الرحلات – خمسة كتب – في عام 2019 ميلادية، وان تأخر الاحتفاء سببه اضطراري للمكوث خارج العراق لثلاثة أعوام.
وأضاف: هذه الاحتفالية قد جاءت بعد ان صدرت مجموعتي الشعرية “مـرح فـي الأســــــاطـير” عن مركز ليفانت للدراسات الثقافية والنشر – الإسكندرية 2022 ميلادية، صدر ديواني العاشر وهو الديوان الفائز – عن مخطوطه – بالمركز الأول لجائزة حلمي سالم الشعرية في دورتها الثالثة 2022.
وتابع: بقيت رحلاتي عالقة بذهني؛ فهي الممول المهم لخزيني المعرفي وتجاربي الحياتية والشعرية، وبفضل هذه الرحلات تعرفت على مئات المجموعات اللغوية والثقافية، وعلمتني مع الكتب بطبيعة الحال، أن أفرق بين مصطلحات عديدة.
من جهته، قال الناقد محمد السيد إسماعيل، أن “مرح في الأساطير” (مركز ليفانت للدراسات الثقافية والنشر – الإسكندرية 2022)، هو الديوان الـ 10 للشاعر العراقي باسم فرات، وقد فاز عن مخطوطه بجائزة حلمي سالم في دورتها الثالثة.
وأضاف: باسم فرات فضلا عن كونه شاعراً هو رحالة ومصور فوتوغرافي، إذ زار 39 بلداً وأصدر العديد من الكتب في “أدب الرحلة” ومنها “لؤلؤة واحدة وألف تل… رحلات بلاد أعالي النيل” و”مسافر مقيم… عامان في أعماق الأكوادور” و”الحلم البوليفاري… رحلة كولومبيا الكبرى”.
وتابع: لقد ظل باسم فرات مسكوناً بحب السفر منذ شبابه الباكر حتى تمكن من تحقيق حلمه بهذا التطواف الواسع في البلاد العربية والغربية وبلاد الشرق الأقصى، وانعكس كل ذلك على شعره عموماً منذ “مبكراً في صباح بعيد” و”أشهد الهديل” و “خريف المآذن”، وصولاً إلى “فأس تطعن الصباح”، وهذا ما نراه أيضاً في “مرح في الأساطير” من حيث اتساع بنية المكان الذي لا يقتصر على البعد الجغرافي بل يشمل العادات والأساطير ويحوّل ما هو جغرافي إلى دال سردي بحيث لا يغدو وصف المكان محايداً. ويتكرر دال “الأساطير” الذي ظهر في العنوان بشكل لافت داخل العديد من القصائد، ومنها قصيدة “شعوب تمرح في الأساطير” التي يقول فيها: “خلف محطة قطار / عثرت على وقت مهجور / كان يخبئ شعوباً تمرح في الأساطير / غمرتني طبولهم بالرقص / في ضرباتهم يتصارع الأسى وماضٍ سحيق / وعلى وجوههم تطفو حكايات بحارة / وتاريخ تجهله الكتب”.
وبيّن: ان الرحلة تمثل ثيمة رئيسة في هذا الديوان، سواءً كانت زمنية يعود فيها الشاعر إلى طفولته أو يستشرف فيها المستقبل، أو مكانية عبر البحار أو الانتقالات البرية، ففي قصيدة “الند” يعود إلى طفولته الباكرة التي فقد فيها والده حقيقة لا مجازاً حين يقول: “في الثانية من عمري أصبحت رجلاً/ وقبل بلوغي الثالثة غزا الشيب أيامي/ لم أستعد شيئاً من طفولتي حتى الخامسة عشرة/ حينها كان شيب الأيام/ يسخر من طفولة وافدة عرضاً”.
وواصل: نحن أمام طفولة هاربة أو أجهضت في مهدها بفقد الأب ثم الأم حتى غزا الشيب أيامه، ساخراً من طفولته التي لا تأتي إلا عرضاً حين يتذكر أنه عمل “خبازاً”، ولم يرَ صباحاته إلا أمام التنانير، والشاعر وسط كل هذا حريص على تسجيل تواريخ أحداث حياته كما يبدو من عنوان قصيدة “العاشر من تموز 1969″، فبرغم أن تموز هو إله الخصب في الحضارة العراقية القديمة، فإن الأشجار في تموز 1969 لم نعد نسمع سوى بكائها كما اتشحت السماء بالدم والسواد، وذلك بعد أن صوب الجبناء رصاصاتهم نحو خاصرة الأب ثم نشروا موته في البحيرات العظمى .
وأوضح: ان كثيراً من الشعراء العراقيين جرب المنفى الاضطراري حتى أصبحنا أمام ما يسمّى بـ”قصيدة المنفى”، وهذا ما نجده عند باسم فرات الذي أصبح المنفى لصيقاً به حين يقول، “منفاي يصب كأساً متبوعة بكؤوس/ حتى يفيض الكون بالخمرة والسؤال/ منفاي لصيق بي حتى حين”.
واستدرك: “لكن لبغداد وجهاً آخر هو وجه الحروب الدائمة والطغاة الذين هرب الشعراء منهم واضطروا إلى الرحيل لتلك المنافي القاصية، لكنهم يظلون على حنينهم إليها، فحين يسير الشاعر مع رفيقين عراقيين فوق نهر النيل، كان يهدر في قلوبهم نهران آخران هما دجلة والفرات، وتشير أرواحهم إلى بغداد.



