اراء

الحكومة الجديدة والتخطيط الاستراتيجي

 

بقلم/ عبد الخالق الفلاح..

قد تكون هناك عوامل ودلالات تجعلنا أن نستبشر خيراً بالسلطة العراقية القادمة بقيادة محمد شياع السوداني التي تحتاج إلى تحولات استراتيجية رئيسة، تتسم باتخاذ القرارات على المدى القصير والكثير من المساومات والمقايضات مع تخطيط استراتيجي القريب والبعيد، في العملية السياسية العراقية، والتي على الرغم من أنها لم تسفر بعد عن تغييرات جوهرية في عملية تشكيل الحكومة الحالية بسبب قصر الفترة وتحتاج إلى وقت لازم للعمل ومن الطبيعي عندما تصل مجموعة سياسية إلى السلطة دون وجود استراتيجية التخطيط الاستراتيجي، الذي يُعد عاملا مهما في صياغة وتصميم سياسة أية دولة، وذلك لأن التخطيط الاستراتيجي يشكّل مرتكزا تستند إليه آليات ووسائل إدارة الدولة في الجوانب كافة سواء الاقتصادية أو الأمنية أو السياسية أو الإدارية، وبالتالي فأن النجاح الواضع لهذه الأسس في إدارة شؤون دولة يتوقف على درجة إتقانها للاستراتيجية التي تضعها وتكريس جهودها وإمكانياتها لتنفيذ بنودها. وأن لا تحتكر هذه المجموعة كل شيء فيه لصالحها بالقوة وتعمل على ابقائها محتكرة في يدها فتصير سلطة عنف واستبداد مطلق وتتحول إلى أداة نفي للآخرين اولاً، وثانياً لماهية الدولة والقانون، واحتكار الحق والقوة والعنف والتسلطية المطلقة، وتتحول سياسة التسلط لديها إلى ذهنية منتهكة للقيم، بخطابات تبرر ممارساتها التسلطية. ولا يفرق العديد من الناس بين الدولة والسلطة، وهذا الإبهام مرده ممارسة الدولة للسلطة، وهناك فرق شاسع بين المفهومين الدولة والسلطة ويجب التمييز بينهما، الدولة لها اركان ثابتة دائمة أما السلطة فهي زائلة ومتحركة. وقد تتوالى وتتعاقب. أما الدولة تقوم على ثوابت ثلاثة: الأرض والشعب وقانون أساسي ينظم السلوكيات والعلاقات، بينما تكون السلطة الإدارة القانونية للدولة. أي أن السلطة ما هي إلا آلة تسير أمور الدولة بموجب القوانين والشرائع التي تسن من قبل المجلس التشريعي أو ما يسمى البرلمان وقد تختلف المسميات من دولة إلى اخرى. لذلك يبدو من الضروري أن نميز بين السلطة والدولة التي هي شكل من أشكال التنظيم السياسي الذي تمارسه المؤسسات. في حين أن السلطة تتجاوز حقل الدولة وتمتد إلى مختلف مجالات الوجود الإنساني، فنحن نتحدث مثلا عن سلطة شخص وآخر لا يتشابهون في العمل… وهذا يعني أن الدولة لا تجسّد كل أنواع السلطة في المجتمع، لذلك يرى بعض العلماء أن السلطة باعتبارها ممارسة، لا يمكن أن تتحدد انطلاقا من تحليل أجهزة الدولة، السلطة مبثوثة في كل مكان ولا تتحدد إلا باعتبارها موضوع صراع: صراع من أجل السلطة، وتسميتها عند البعض بالمنافسة من أجل السلطة، وصراع من اجل الاستحواذ على السلطة، ويمكن تسميتها صراع ارتهان السلطة. ومثل هذه الأجواء يمكن للسلطة ان تنهار بلحظة صراعية، تؤدي الى تفتت هذه الدولة ذاتها، هنالك من يغالي بهذا المفهوم، حيث يرى انه حتى لو انهارت الدولة لا تنهار سلطتها بقدر تعالي هذه السلطة، بقدر ارتهان الحركية المجتمعية، بما فيها من صراعات سلمية أو حتى عنيفة، وفيها من مصالح متضاربة، وطبقات ومراكز قوى. بمستوى سياسي، تتكامل معه احيانا للهيمنة والسيطرة، وليس لحركة شعوب تلك السلطة أي دور في هذا التأسيس، بل عبارة عن علاقة العائلات المسيطرة مع البعض مباشر دون وسيط، دون أرضية تاريخية ما وهي فقط بصدد إثبات أن هذه السلطات “الحزبية والقومية والطائفية والفردية والعائلية، في الممالك هي صاحبة الحق المطلق كما هو في العراق اليوم حيث الاحزاب الكبيرة مسيطرة تماما على المشهد السياسي فلهذا لا تفكر اليوم إلا بالسلطة” رجل السلطة لا يعرف ولا يستطيع قول الحقيقة كما هي، في رهان على استغباء والاستخفاف بعقول الناس. ولذلك ينساق في تواصله مع الجمهور على نمط من “خطاب لا معنى فيه” وخطاب ملتوي، الذي لا يُقدم ولا يؤخر في إيصال ما يريد قوله، بل ويعطي صورة عكسية أو صورة تشكك بما يقول وكيفية تقسيم المسؤوليات والمناصب كما نلاحظه بعد الانتخابات الاخيرة حيث تتحرك الكتل والائتلافات في الوقت الحالي للركض وراء كسب المناصب قبل التفكير في إعداد سياسية مستقبلية لإدارة الدولة والتي لم نلاحظها خلال السنوات الماضية، بعد أن اشتراها البعض من دم العراقيين بالفساد والسرقات واستغلال المناصب لصالح مجموعاتهم ويصبح مباحاً بيدهم كيف ما يشاؤون، وكل السلطات محصورة في مكان واحد. ولا صلاحية للسلطة التشريعية أو التنفيذية أو القضائية فيما يتعلق بالقضايا الكبرى والمهمة إلا بالتوافق فقط وتوزيع المغانم والأرباح بينهم وهو نظام يسري على كل مستويات الإدارة والحكم وكل قطاعات الإنتاج الحكومي. بالإضافة إلى كل ما له علاقة بالإعمار والتعويضات والمشاريع الخدماتية، ولذا يصبح الحديث عن فصل السلطات في هذه الحالة لا معنى له، لا شك في أن هناك فرقاً ما بين مفهوم الدولة ومفهوم السلطة. إلا أن هذا الفرق لا يعني أن العلاقة القائمة بين الطرفين تملك مناعة خاصة ضد الازدواجية. السلطة السياسية التي تقود الدولة في فترة زمنية محددة في كثير من الانظمة أو في فترة زمنية غير محددة وخاصة في الانظمة التي تعتمد على المحاصصة، بإمكانها أن تستبيح مؤسسات الدولة كلما ارتفع منسوب الفساد في تلك الدولة. والضرر الأكبر يقع على عاتق المواطن والدولة تصبح هشة وفاشلة ومباحة بما يشمل المؤسسات العامة ومسؤول تطبيق القانون وتأمين احتياجات المواطنين بمعزل عن اتجاهات السلطة السياسية الحاكمة. هذه العلاقة تتحول إلى علاقة صراعية عدائية بين السلطة والجماهير، فالمواطن الذي يرى الدولة مستباحة من قبل الطبقة السياسية ـ التي تتفنن في ابتكار أساليب النهب الشرعي وغير الشرعي، يشعر بالظلم واللاعدالة والكراهية تجاه دولته. لكن الأمر لا يقف عند هذا الحد، السلطة التي تتخلى عن واجباتها الأساسية تجاه مواطنيها تطالبهم بأن يفعلوا ما لا تفعله هي تجاههم حتما سوف تكون نهايتها مؤلمة، وعندما يحدث خلل ما في العلاقة بين الطرفين تتحمل المسؤولية بالدرجة الأولى سلطة الدولة باعتبارها انها وُجدت من أجل القيام بوظائفها المحددة لها في القانون والدستور ولكن لم تستجيب لأصواتهم في تحقيق أمانيهم ولو بالحد الأدنى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى