إعادة كتابة التاريخ على وفق ما كان يراه المؤلف كشاهد

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…
يرى الكاتب محمد الأحمد، أن رواية “الباشا وفيصل والزعيم” للمبدع باسم عبد الحميد حمودي، هي إعادة كتابة التاريخ على وفق ما كان يراه المؤلف كشاهد.
وقال الاحمد في قراءة نقدية خصَّ بها “المراقب العراقي”: ان رواية “الباشا وفيصل والزعيم” للكاتب “باسم عبد الحميد حمودي” برغم قصرها وقفت أمام نقطة مفصلية من تاريخ العراق الحديث وراحت تفككها بموضوعية وتجعلها أمام محاكمة موضوعية للتاريخ، محاكمة الشاهد العارف بما كان يجري، وهو المثقف النبيه الذي يفرز الأمور من بعد نضج وحكمة؛ لكن لا اعرف لمَ سحبني شكلها الفني (كأنما وقع الحافر على الحافر) الى رواية “أمام العرش” للكاتب العظيم “نجيب محفوظ” والتي سبقتها بخمسة وثلاثين عاماً على إصدارهاـ كان يومها مغامرا عبقريا جمع فيها جميع الملوك والزعماء والرؤساء وجعل يحاكمهم واحدا بعد الآخر (بدون استثناء). كلهم ماتوا واستحضرهم من ذلك الرقاد الابدي بعد أن نفض عنهم غبار الأيام، ورتبهم على وفق نسقهم التاريخي المتسلسل.. وكأنه جاء بهم متحف من الشمع (مجازا) واصفا كل منهم على شاكلته التي كان بها- هكذا الكاتب العظيم اجاد وصفهم واحداً واحداً وقد جمعهم ليناقشوا ومن ثم يحاكمهم على وفق ما قدموه لمصر وما الذي جعلهم يقصرون فيه ما بين نصر وهزيمة.
وأضاف: لقد كانت تلك الرواية من بين الروايات الاستثنائية التي كتبها “نجيب محفوظ”. وغلب على شكلها الحوار المختزل بديلا عن السرد كعادة “محفوظ” في أغلب أعماله الأخيرة، وقد ذكرّنا الشكل المختزل برواية “الباشا وفيصل والزعيم”، ولكن بمحتوى مختلف تماما من حيث المكان أو الزمان، حيث جاء عن محنة العراق حسب رواية الأستاذ “باسم عبد الحميد حمودي” الذي استحضر الى احدى القاعات (وتارة شارع الرشيد) مجموعة من الحكام الذين توالوا على سدة حكم العراق، وما آل اليه من مصير، أغلبهم سفح دمه رفيقه بانقلاب دموي عنيف، أطاح بنظامه، من بعد اتهام بالخيانة العظمى والعمالة والتبعية وما الى ذلك من تهم غايتها التشويه، والتحريض على كراهيته بعضهم البعض وهم أموات.
وأشار الى ان الروائي استخدم الانتقال السريع والكلام المقتضب حتى يكتب لنا على وفق آلية سردية روائية متميزة بعد أن اختارها غريبة لا تشبه الآليات السردية التي عهدناه في الروايات العراقية، ألفناها مختلفة عندما جاء به الروائيون العراقيون السابقون، وبذلك جرت مهمة ربط هذه الشخصيات واستحضارها وجعلهما في مواجهة بعضهم البعض في مكان واحد ليواصل إعادة كتابة التاريخ على وفق ما كان يراه المؤلف كشاهد “اطال الله عمره لأنه قد شهد المرحلة بكلها وليومنا هذا بذاكرة حديدية” اذ رسم بهذه المجموعة من الشخصيات التي تعاتب بعضها بعضا وتجادل بعضها بعضا الفترة المفصلية من تاريخ العراق الحديث، ليؤشر تاريخيا ما كان غامضا برغم مرور عقود عديدة على تلك الثورة الأولى التي وقعت في 14 تموز 1958، وحدث ذلك النفق التاريخي العميق الذي مرّ به العراق بعد تأسيس المملكة التي وضعت له شكلها “بريطانيا” المتحكمة في صنع القرارات السياسية الكبرى على كوكب الأرض الى يومنا هذا، وما جرى من نزاعات شرسة متوالية، انقلاب بعد انقلاب، ولم يثبت الحال حتى تمزقت فيها البلاد وسحقت بسببها أبناء العباد.
وأوضح: المحايدة في الرواية بشكل عام هي التي تجعلها رسالة عالمية تعبر كل الحدود وتخترق كل الحواجز وتترجم الى كل اللغات، وكانت ميّزة أو تقانة إبداعية سجلت لصالح رواية “أمام العرش” التي حيث جرى توازن خفيّ ولم يبيّن “نجيب محفوظ” انحيازه لجهة ما أو لقائد أو حبه لزعيم. بينما في رواية “الباشا” تقدمه وكأنه لم يكن أحد من البريطانيين يساند “نوري السعيد”، وان اللعبة السياسية دائما تلعب باقتدار وتدار من قبل هيآت كبرى وان كانت من داخل بريطانيا إلا انها تحرك اصابعها وتعبث بكل متحرك سياسي انها خلف الصورة، وأشار باسم عبد الحميد حمودي الى تحالفات لم تكن واضحة للعيان يومها للعامة وللشهود، ولكنها بدت واضحة من خلال ارشيفات المخابرات العالمية المسربّة، ان جمال عبد الناصر كان يقف خلف التي قام به عبد السلام عارف بتحالفاته مع “الطبقجلي”.
وختم: الروايتان ان اقتربت بالشكل فقد اختلفتا بفارقة استحضار “للمؤرخين” اذ جاءت بفائدة ان التاريخ حيّ ومتحرك ولا يمكن ان يموت حتى ان كتب مرة واحدة فانه سوف يعاد محاكمته، والكتابة فيه مجددا، لأنه مدرسة الدروس. لا يسعنا القول -هنا إلا- ان الروايتين تشابهتا بالشكل الفني، ولكنهما اختلفتا في رسالتيهما المستقلتين، وان التاريخ سيكون أولا وآخراً البطل الشاهد الحي الوحيد على أبطال هذه الحياة المسردة.



