أشكالية ثروة النفط وتداعيات الديمقراطية في العراق
د. كمال البصري
معلوم بوجود دور إيجابي للنفط والديمقراطية في تحقيق التقدم والرخاء، الا انهما يمكن ان يكونا مصدراً سلبياً ومادة للتقهقر والشقاء حينما يساء استخدامهما، او حينما تحجب حوافز الاستخدام الأنسب المتمثلة بمعايير الحكم الرشيد (بالشفافية والكفاءة والعمل بسيادة القانون). المعروف ان العوائد النفطية مال سهل الكسب وبغياب الشفافية يستخدم لأغراض بعيدة عن الجدوى الاقتصادية، والديمقراطية كآلية قد تستغل بعيدا عن فحواها المتجسد بالعقد الاجتماعي لتتحول الى محاصصة. تسعى هذه المقالة الى مناقشة الاستخدامات المشوهة للديمقراطية والنفط، وتستنج ان الاستخدام السيئ للثروة النفطية والديمقراطية يؤول الى تشوه هيكل الانتاج الاقتصادي وإفشال التجربة الديمقراطية. سنتناول اولاً تداعيات الديمقراطية، وثانياً اشكالية النفط. واضح ان العراق حقق تقدماً مشهوداً في الممارسات الديمقراطية بالنسبة للمنطقة العربية، الا ان الممارسة الديمقراطية لم يصاحبها تطبيق لمبادىء العقد الاجتماعي المتمثل بتطبيق مفردات الحكم الرشيد، الامر الذي ادى الى ضعف الاداء الحكومي وعدم القدرة على تقديم الخدمات الضرورية للمواطنين رغم توفر الايرادات النقدية النفطية. ان استياء المواطنين خلق فرصة للفرقاء السياسيين ليركبوا موجة فشل الحكومة وتأطيرها تارة باطار عدم الكفاءة والفساد، وتارة اخرى باطار الطائفية. ازاء هذا الانقسام والفوضى السياسية فان توجه الحكومة لحل مشكلة الاستقرار السياسي بالمشاركة السياسية (المحاصصة) حل لا يؤدي الى وئام، بل يكرس لمزيد من الانقسام السياسي، وان الحل يكمن بالحرص على تطبيق مفردات الحكم الرشيد وهي ممارسة يتعاظم دورها ويتكامل بشكل ديناميكي مع تقدم مستوى التعليم والثقافة. ان اهمية الديمقراطية لا تأتي من انها تضمن الحق في الممارسة السياسية للاغلبية بل لانها الاطار السليم لتنفيذ مضامين “العقد الاجتماعي”، بان تحترم الاغلبية الحاكمة حقوق الجميع على حدٍّ سواء. فالديمقراطية كآلية لا تؤمن لوحدها تحقيق الثمار المادية ولا المعنوية للمواطنين دون اعتماد الشفافية والكفاءة والمشاركة وبالاستماع لآراء الآخرين وتحمل مسؤولية السياسات والقرارات المتخذة وتحقيق سيادة القانون. نعم حقق العراق تقدماً ملموساً في تطبيق بعض الممارسات الديمقراطية المتمثلة بالاستفتاء على الدستور وبالانتخابات المتكررة على صعيد الحكومة الاتحادية والحكومات المحلية وفي كثير من الممارسات المتمثلة بالحرية السياسية والحرية الفردية واعتماد اللامركزية … الخ. الا ان الممارسة الديمقراطية لم يصاحبها الوفاء للعقد الاجتماعي الملازم للآلية الديمقراطية والمتمثلة بمفردات الحكم الرشيد. إن عدم الالتزام بالشفافية في الممارسات المختلفة وغيابها قد وضع المسؤول الحكومي موضع الريبة والشك والتهمة أمام أفراد الشعب والمنظمات المحلية والدولية، كما ان غياب الشفافية لا يشجع على خلق الحوافز للالتزام بالمفردات الاخرى للحكم الرشيد كالكفاءة وتطبيق القانون، وإن غياب الشفافية في القرارات أدى الى تجريد المواطن من دوره في متابعة نشاطات الحكومة والسعي لترشيدها ومراقبته، مما أدى الى إنتشار حالة سوء الظن والاتهامات التي قد تعدُّ بعضها كيدية.من الامثلة على ضعف الشفافية “الموازنة الاتحادية” التي تعتبر اهم ملف اقتصادي سياسي، حيث بلغ مقياس الشفافية للموازنة لعام 2014 (4%) بحسب دراسات منظمة شفافية الموازنات الدولية (IBP)، ان هذا الضعف يعود الى الالتزام باعداد ونشر الوثائق الخاصة باعداد وتنفيذ الموازنة بحسب التوقيتات والمعايير الدولية والتي نص عليها قانون الادارة المالية بصريح العبارة. لاشك ان الذي يحصل كل عام هو مخالفة قانونية من قبل وزارة المالية. فالموازنة تعد بطريقة يصعب على المواطن متابعة واستنطاق التخصيصات المالية اذ انها مبهمة ولا تؤشر الى مشروعات محددة ولا تعرف جدواها الاقتصادية ولا عن علاقتها بالستراتيجية الاقتصادية الوطنية. ان غياب الشفافية ادى الى الافراط في التخصيصات المالية على حساب جوانب اخرى ذات جدوى اقتصادية اكبر (كما الحال في استمرار تضخم حجم تخصيصات الاجور والمرتبات على حساب تخصيصات قطاع التعليم او الصحة والاسكان). بسبب غياب الشفافية أصبح من المتعذر جدا على المواطن ومنظمات المجتمع المدني القيام بمتابعة كفاءة استخدام المال العام او متابعة نشاطات الحكومة، لأن غياب المساءلة والرقابة السابقة واللاحقة الرسمية وشبه الرسمية بطبيعة الحال يعطي المسؤول الحكومي مساحة واسعة للتصرف بعيدا عن معايير الكفاءة في استخدام المال العام.على اساس ما تقدم صُنف العراق بالادبيات الاقتصادية واحدا من اعجز الحكومات على الايفاء بواجباتها، كما بلغ تسلسل العراق وفقا لمؤشرات البنك الدولي الخاصة بتطبيق معايير الادارة الرشيدة اقل حتى من اقرانه الدول العربية (وحتى اقل من نيجيريا الدولة الغارقة بالفساد!). وقد ادت العوامل اعلاه الى ضعف ثقة المواطن بعدالة ومصداقية الاجراءات الحكومية، وركب بعض السياسيين موجة الفشل في تأطير الخلافات السياسية والشخصية باطار الطائفية.يجدر ذكره هنا ان الحكومات المتعاقبة سعت الى امتصاص الخلافات السياسية بتوسيع رقعة المشاركة السياسية (المحاصصة)، ولا يخفى من ان تحقيق العدالة بالمشاركة السياسية لا يضمن تطور كفاءة الاداء كما بينت تجربة العراق ، وكما ان نتائج الدراسات السياسية لعدد من الدول الديمقراطية والتي فيها تعدد قومي او مذهبي تنص على ان المشاركة النسبية بالحكومة لا تمثل بحد ذاتها حلا مستقرا للتناقضات السياسية الكامنة الا عندما يكون هناك تطور في مؤشر التنمية البشرية كالتعليم والثقافة الذي يعدُّ ايضا عاملا مهما في الاسراع بتطبيق الادارة الرشيدة، ان المشاركة النسبية للكتل السياسية لا تؤدي بشكل طبيعي الى تطبيق قيم الديمقراطية المتمثلة بالسعي الى فرض مفردات الادارة الرشيدة، وبغياب هذه القيم لا يكون للمؤسسات المختلفة من دور فعال في تقديم الخدمات العامة، ولا يتوقف ذلك على وهن وعدم كفاءة القطاع العام بل ليشمل القطاع الخاص المحلي والاجنبي.



