اراء

استراتيجية أمريكا للطاقة في أوروبا.. الثأر للحرب الباردة ؟

 

بقلم/ ليلى نقولا ..

واصل الرئيس الأمريكي جو بايدن وعدد من المسؤولين الأوروبيين إعلان نجاحهم في المحافظة على وحدة الحلفاء في الناتو، ووحدة الغرب في مقابل ما سمّوه محاولة موسكو بث النزاع والفرقة بين الحلفاء. ولا شكّ، في أن هذه الوحدة التي أُعلنت في مواجهة روسيا، كانت بنسبة كبيرة على حساب دول الاتحاد الأوروبي، التي عانت  كثيراً بفعل العقوبات على دولهم، خصوصاً ما يرتبط منها بالطاقة.

تاريخياً، بدأت أنابيب الغاز الروسية إلى دول أوروبا الشرقية عبر أوكرانيا عام 1912، واستمرت في التوسّع خلال العقود الأولى من مرحلة ما بعد الثورة الشيوعية وتأسيس الاتحاد السوفياتي، لتصبح إحدى كبريات شبكات توزيع الطاقة في العالم. وفي الحرب الباردة، استمرت الشبكة في العمل على نحو طبيعي وتطوّرت باعتبار أن الدول التي تستفيد منها باتت جميعها ضمن دول الاتحاد السوفياتي نفسه.

لكن، في ظل احتدام الصراع الأميركي السوفياتي للهيمنة على العالم، دخلت خطوط الطاقة الروسية وإمداداتها في الصراع بين المحورين، وكادت تسبّب خرقاً في وحدة المحور الغربي بين كل من الأميركيين والأوروبيين. قد حذّر الأميركيون منذ ذلك الوقت، من استغلال الاتحاد السوفياتي الاقتصاد والتجارة لتحقيق أهداف سياسية، ولا سيما “الأنابيب” وسائر إمدادت الطاقة، لذلك كانت الإستراتيجية الأميركية المعتمدة منذ ذلك الوقت، هي دعوة أوروبا إلى التخلي عن النفط والغاز الروسيين، وما زالت مستمرة إلى اليوم.

1- جون كينيدي يدشّن حرب الأنابيب

في ستينيات القرن العشرين، كانت أوروبا الغربية تستورد 6٪ فقط من نفطها من الاتحاد السوفياتي. لكن إعلان البدء بخط أنابيب نفط جديد يمتد من الشرق الروسي الأقصى ويمر بأوكرانيا وبولندا وينتهي في ألمانيا شكّل قلقاً للأميركيين.

2- ريغان يفرض عقوبات على الحلفاء

في عام 1981 أُعلن إنشاء خط أنابيب جديد للغاز الطبيعي من سيبيريا إلى أوروبا الغربية. حاولت إدارة ريغان إقناع الحلفاء الأوروبيين (فرنسا وألمانيا الغربية) بالانضمام إلى الحظر الذي تفرضه ليس على معدات خط الأنابيب للمشروع فقط ولكن على التمويل أيضًا. رفض الأوروبيون، فكان أن فرضت الإدارة الاميركية حزمة عقوبات تهدف إلى منع الشركات الأوروبية من توفير الأموال أو المعدات للمشروع.

العقوبات على الشركات الأوروبية كادت تؤدي إلى أزمة بين الحلفاء، فتراجع ريغان عن العقوبات بعد بضعة أشهر فقط، وجرى تدشين خط الأنابيب عام 1984.

3- بعد تفكك الاتحاد السوفياتي

توسّعت خطوط الأنابيب بين روسيا ودول أوروبا في التسعينيات. ولكن بعد مجيء بوتين إلى الحكم في روسيا، وعودة روسيا إلى التعافي الاقتصادي مستفيدة من طفرة ارتفاع أسعار النفط في السنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين، حصلت سلسلة من الثورات الملونة المدعومة أميركياً في حديقتها الخلفية (أوكرانيا، جورجيا، قيرغستان)، وتبدّل الحكام في تلك البلدان من مؤيدين لموسكو إلى مؤيّدين لأميركا.

رفضت أوكرانيا، وبدأت مشكلات التوريد إلى أوروبا، فظهر أن عدم الاستقرار السياسي في أوكرانيا يجعلها خطاً غير موثوق به لمرور الغاز، فجرى إنشاء خط مباشر بين كل من روسيا وألمانيا هو خط (نورد ستريم 1)، الذي افتتح عام 2011، خسرت أوكرانيا رسم العبور الذي يقدّر بـ720 مليون دولار سنوياً، وساهم الأنبوب في خفض أسعار الغاز إلى ألمانيا على نحو كبير، فتقدمت صناعاتها مستفيدة من الفرق في القيمة وتقليص التكلفة.

4- فشل ترامب في مواجهة ميركل

هاجم الرئيس الأميركي دونالد ترامب في قمة الناتو عام 2018، المستشارة الأميركية أنجيلا ميركل واتّهم ألمانيا بالتبعية لروسيا، معتبراً أن على الألمان وقف العمل بـ(نورد ستريم 2) وهو مشروع أنابيب طاقة جديد بين روسيا وألمانيا، وأكد ترامب أن من حق الأميركيين الذين يدفعون الحصة الكبرى في الناتو دفاعاً عن أوروبا، أن يفرضوا على أوروبا شراء الغاز السائل منهم بدلاً من روسيا.

رفضت ميركل الاتهامات، وأعلنت الاستمرار في المشروع، ما جعل ترامب يبدأ حرباً تجارية على الأوروبيين ويفرض عقوبات على مشروع (نورد ستريم 2)، وهو ما رفضته ميركل والحكومة الألمانية معتبرتين أن هذه العقوبات تمثّل “تدخّلاً في القرارات المستقلة التي تتخذها أوروبا“.

5- بايدن ينجح حيث أخفق الآخرون

بوصول بايدن إلى البيت الأبيض، وضع نصب عينيه إعادة الوحدة إلى الغرب، وتوسيع الناتو، واحتواء روسيا والصين. وفي سنته الأولى في البيت الأبيض، كادت الحرب تنشب بين الناتو وروسيا بعد تحركات أميركية وبريطانية في أوكرانيا والبحر الأسود. وتطوّرت الأمور التي أدّت الى الحرب الأوكرانية.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى