المونديال انتهى.. وحان وقت المساءلة

بقلم/ زكي الطائي ..
بعد انتهاء الدور الأول من كأس العالم 2026، ودّع ستة عشر منتخبًا البطولة، وكان خروج معظمها مستحقًا قياسًا بما قدمته داخل المستطيل الأخضر، فيما غادرت منتخبات أخرى مرفوعة الرأس بعد عروض مشرّفة، وفي مقدمتها المنتخب الإيراني الذي قدّم مستويات جيدة رغم عدم تأهله.
ومع إسدال الستار على الدور الأول، بدأت في كثير من الدول مرحلة المراجعة الحقيقية، استقالات لمدربين ورؤساء اتحادات، وتشكيل لجان فنية متخصّصة لتشخيص أسباب الإخفاق ووضع حلول تمنع تكراره. ذلك هو المشهد الطبيعي في البلدان التي تدرك أن تمثيل الوطن مسؤولية لا تقبل المجاملة.
أما في العراق، فالصورة بدت مختلفة تمامًا، فالمدرب غراهام أرنولد اختار تبرير الإخفاق بضعف الدوري العراقي! وهو تبرير يثير أكثر من علامة استفهام، فإذا كان الدوري هو السبب، فلماذا تجاهل لاعبين قدّموا مستويات مميزة، أمثال بيتر كوركيس، ويوسف نصراوي، وآدم طالب، وغيرهم؟ ولماذا استمر الاعتماد على أسماء لم تعد قادرة على تقديم الإضافة، مثل ريبين سولاقا؟ ولماذا بقي جلال حسن الحارس الأول، في حين تم استبعاد الحارس الشاب كميل سعد؟ وأين كانت بصمته الفنية طوال فترة قيادته للمنتخب إذا كان قد واصل الاعتماد على الأدوات نفسها التي استخدمها المدرب السابق خيسوس كاساس؟
والأكثر غرابة ما صدر عن بعض اللاعبين، أمثال جلال حسن وإبراهيم بايش، حين تحدثوا بعد الخسارة في المباريات الثلاث أنهم سيقدمون الأفضل في البطولات المقبلة، وكأن كأس العالم كانت محطة عابرة أو دار استراحة، وليست أعظم بطولة كروية في العالم. فمن منحهم صك البقاء في المنتخب بعد هذا الإخفاق المؤلم في تأريخ الكرة العراقية؟ ومن قال إن أبواب المنتخب ستظل مفتوحة مهما كانت النتائج؟
كان الأولى بالاتحاد العراقي لكرة القدم أن يضع حدًّا لمثل هذه التصريحات، وأن يعلن بوضوح أنه لا مكان ثابتًا لأي لاعب في المنتخب إلا لمن يستحق ارتداء القميص، وأن المرحلة المقبلة ستشهد مراجعة شاملة وتغييرًا حقيقيًا يستثني كل من لم يكن بمستوى تمثيل العراق في المونديال.
أما الاتحاد، فقد بدا وكأنه يقف حائرًا، فلا هو رد على تصريحات المدرب، ولا وضع حدًا لتصريحات اللاعبين، حتى بدا أن القرار أصبح بيد المدرب وحده، في وقت كان الجميع ينتظر موقفًا حازمًا يوازي حجم الإخفاق. أما كان الأجدر مساءلة المدرب عن الأخطاء المتكررة؟ وما جدوى إشراك عدد كبير من اللاعبين في مثل هذه المباريات الحساسة، وفي أفضل بطولة كروية عالمية؟ ما لمسناه، في الحقيقة، أن عدم الشعور بالمسؤولية كان حاضرًا في تفكير وتصرّفات المدرب واللاعبين والاتحاد، وأن حدود إمكانياتهم الفنية والإدارية أقل بكثير من بطولة بحجم كأس العالم.
وما حدث ليس أمرًا طبيعيًا، ولن يكون كذلك في نظر الإعلام والجمهور. فالجماهير لا تطالب بالمستحيل، بل تريد منتخبًا يشعر بالمسؤولية، واتحادًا يحاسب، ومدربًا يعترف بأخطائه قبل أن يبحث عن شماعات يعلّق عليها الفشل.
إن المشاركة الثانية للعراق في كأس العالم كان يفترض أن تكون بداية لمرحلة جديدة، لكنها تحوّلت إلى تجربة قاسية لن يكون لها أي معنى إذا لم تعقبها محاسبة حقيقية، وإصلاح جاد، وتغيير يعيد الثقة بأن قميص العراق لا يرتديه إلا من يستحقه.



