ماذا بعد انتصار إيران في حرب أعادت تشكيل الشرق الأوسط؟

بقلم: مازن النجار..
على مدى عقود، استندت البنية الاستراتيجية للشرق الأوسط على ثلاثة افتراضات: أولًا، قدرة الولايات المتحدة على فرض النتائج من خلال التفوق العسكري الساحق. ثانيًا، امتلاك “إسرائيل” سيطرة إقليمية مطلقة على التصعيد. ثالثًا، إبقاء إيران قوة إقليمية معزولة بشكل دائم، يعتمد نفوذها على حلفائها لا على قدراتها الذاتية.
انتصار حاسم لإيران
في أعقاب حرب الأربعين يوماً وتداعياتها، يعتقد المفكر الآيرلندي، ديلان إيفانز، أنه تم أخيراً دحض الافتراضات الثلاثة بشكل جذري. وستُدَرس الحرب الأخيرة لسنوات عديدة بواسطة الأكاديميات العسكرية والمخططين الاستراتيجيين، لكن أهم دروسها باتت واضحة تماماً للعيان. فقد خرجت إيران أقوى سياسيًا مما كانت عليه عند دخولها الصراع.
وفشلت “إسرائيل” في تحقيق أهدافها الاستراتيجية. واكتشفت أميركا مرة أخرى أن امتلاك قوة عسكرية هائلة لا يعني القدرة على فرض أو إملاء نتائج سياسية.
سيركز السرد التقليدي على النجاحات والإخفاقات التكتيكية. وهذا يغفل جوهر الأمر. فالحروب لا تُقاس بأعداد القتلى أو الطلعات الجوية. بل يُقاس نجاح هذه العمليات بمدى تحسينها للوضع الاستراتيجي للدولة. وبناءً على هذا المعيار، انتصرت إيران.
قبل النزاع، واجهت طهران ضغوطًا داخلية خطيرة. ظل اقتصادها مُقيدًا بالعقوبات. وكان السخط السياسي واضحًا. وبدت العزلة الدولية راسخة. الآن، أثبتت إيران شيئًا يُمكن القول إنه أكثر قيمة من أي صاروخ أو طائرة مُسيّرة: الصمود. فقد نجت من حملة مُنسقة شنّها جيشان من أقوى جيوش العالم من دون أن تشهد انهيارًا سياسيًا توقعه كثيرون.
والأهم من ذلك أنها أثبتت أن اغتيال قادة النظام لم يعد استراتيجية عسكرية مُجدية ضد دولة لا مركزية للغاية. فعلى مدى سنوات، استند التخطيط الإسرائيلي على افتراض أن اغتيال كبار القادة سيؤدي إلى شلل ممنهج شامل. لكن بدلًا من ذلك، استمرت هياكل القيادة الإيرانية في العمل. وتواصل إنتاج الصواريخ. واستمرت عمليات الطائرات المُسيّرة. واستمرت عملية صنع القرارات العسكرية. أثبت النظام الإيراني أنه أكثر صمودًا بكثير مما افترضه العديد من المُحللين الغربيين.
تحولات جذرية في الجغرافيا السياسية
بالنسبة للولايات المتحدة، يمثل هذا الصراع فصلًا آخر في قصة أطول من تضاؤل النفوذ الاستراتيجي الأميركي. فقد كشف العراق عن حدود الاحتلال، وكشفت أفغانستان عن حدود التدخل الخارجي وبناء الدولة، وكشفت هذه الحرب عن حدود التصعيد القسري ضد قوة إقليمية كبيرة ومرنة.
أصبح التفوق العسكري مكلفًا بشكل متزايد، بينما يحقق مكاسب سياسية أقل فأقل. في هذه الأثناء، راقبت الصين الوضع من بعيد.
غالبًا ما تتراجع القوى العظمى لا لهزيمتها المباشرة، بل لأنها تستنزف طاقاتها في محاولة الحفاظ على نظام دولي يزداد هشاشة باطِّراد. لم تكن بكين بحاجة للتدخل، بل اكتفت بمراقبة منافسها الرئيس وهو يُهدر الموارد، في حين تشجع الفاعلين الإقليميين على البحث عن استقرار طويل الأمد في أماكن أخرى.
لم تؤمِّن القواعد العسكرية الأميركية حماية لدول الخليج من أن تصبح أهدافًا. بل على النقيض، أصبحت هذه القواعد بؤرًا جاذبة للرد الإيراني. وقد ضعف بشدة الافتراض القائل بأن الضمانات العسكرية الخارجية يمكن أن تغني عن الدبلوماسية الإقليمية. ونتيجة ذلك، توصلت عواصم الخليج لاستنتاجات كانت تبدو مستحيلة سياسيًا قبل بضع سنوات فقط.
تراجع الدعم لـ”إسرائيل“
بدأت واشنطن أيضًا -وإن كان ذلك ببطء وبشكل غير منتظم- في إعادة تقييم افتراضاتها الراسخة. فطالما اعتبرت الولايات المتحدة تقليديًا أن الدعم الثابت لأهداف “إسرائيل” العسكرية مرادف لتعزيز المصالح الأميركية. ويبدو الآن أن هذا الطرح بات من الصعب الحفاظ عليه.
كل تصعيد إقليمي يُكبّد واشنطن تكاليف اقتصادية وسياسية وعسكرية. ويرى الحلفاء الأوروبيون باطراد عدم الاستقرار حول الخليج ليس فقط مشكلة إقليمية، بل تهديدًا مباشرًا لأسواق الطاقة والتضخم والأمن الاقتصادي إجمالا. فالمصالح الصلبة العملية لا الحجج الأيديولوجية، تدفع عملية إعادة التقييم هذه.
هذا لا يعني أن علاقة أميركا بـ”إسرائيل” على وشك الانهيار. فالدعم السياسي الداخلي لا يزال قائمًا، والروابط المؤسسية عميقة. لكن الشراكات الاستراتيجية ليست ثابتة، بل تتطور بتطور المصالح. إذا استمر صُناع القرار الإسرائيليون في السعي وراء أهداف عسكرية قصوى من دون غايات سياسية قابلة للتحقيق، فستطرح واشنطن حتمًا سؤالاً صعبًا: أيُّ جهة تخدم “إسرائيل” مصالحها فعليًا؟



