كيمياء المدن في «جنائن الشرق الملتهبة»

موسى إبراهيم أبو رياش..
في كتابه «جنائن الشرق الملتهبة .. رحلة في بلاد الصقالبة»، يحكي سعيد خطيبي رحلاته إلى كل من: ليوبليانا عاصمة سلوفينيا وبلدة غراد، وزاغرب عاصمة كرواتيا، وسراييفو عاصمة البوسنة ومدينتي موستار وسربرنيتسا، وبلغراد عاصمة صربيا، وكييف عاصمة أوكرانيا، وقد كان لافتًا وصف خطيبي للمدن التي زارها؛ ليس وصفًا لمادية المكان ومكوناته فقط، بل لروحه وكيميائه، وما يحدثه في النفس من أثر وشعور وانطباع، حتى لقد ذهب إلى أنسنة المدن واستنطقها أو قرأ أفكارها، وما تمور به دواخلها من آلام وآمال وقلق واضطراب وخوف. وتتناول هذه المقالة رؤية خطيبي الذاتية لهذه المدن وشعوره نحوها وصورتها النفسية التي تشكلت لديه:-
“في ليوبليانا عاصمة سلوفينيا، تسترعيه أرصفة الشوارع، وينصت إلى حديثها وشجونها: صوت خافت يصعد من تحت البلاط، يخاطب المارة، يوشوش في آذانهم، ويحثهم على الإنصات إلى أعماقهم. يجرهم بهدوء إلى خشوع المدينة، وخجلها الإنساني في مصافحة الزائر، وتسترها الرزين خلف صمتها الصاخب”.
الانطباع الأول عن زاغرب عاصمة كرواتيا غير منصف، صحيح أنها مدينة عدائية، متوحشة، قلقة، من كثرة ما فيها من تماثيل لقادة عسكريين، ولكن ملامح أهلها عكس ذلك «قابلتني وجوه هادئة.. لا يبدو على الكروات روح صلبة، أو صدامية، وهم قليلو الثرثرة».
يعترف خطيبي أنه تعلق بسراييفو، ويظن أنه يعرفها ويعرف أهلها قبل أن يزورها أو يفكر بذلك، ويرجع ذلك إلى تشابه الجرح بين الجزائر والبوسنة في المدة نفسها، ويقول: «بدت لي سراييفو قطعة من القلب.. تدغدغ الذاكرة كلحن بعيد عائم، يظهر ويختفي دون توقف». وعندما عرف سراييفو عن قرب أدرك بعض أسرارها: «في سراييفو تُمحى كل المسافات وتتقارب تفاصيل الحياة وتتقاطع فيما بينها… تشعر المقيم فيها بثقة في النفس وباعتزاز بالماضي. هي خاشعة وصادقة في حبها وكرهها إن وجد. مرنة في تواصلها، وغيورة على أبنائها أكثر من غيرتها على نفسها. سراييفو تحيا على ذكرى أسماء من مر بها، وكرونولوجيا العبث الإنساني الذي عاشته وما تزال تعيشه إلى اليوم. هي نقطة الفصل بين الدهشة والارتباك.



