ثقافية

وكر السّبع ولا خوّان يغلبنا

 

 

مريم الناصري..

رأته ينزل من سريره ليس على عادته، ضجراً وبوجه يتّشح بالسواد في عبوسه المفرط.. تركته، قائلةً: ربما هناك حلم ما قد أزعجه فلأتركه حالما يهدأ، ويتناول فطوره أكلّمه عن سبب حالته الغريبة. أخذ جهازه يتصفّح آخر الأخبار، لاسيما في خانة في مثل هذا اليوم، بحث كثيراً في هاتفه بانهمام لم أعهده منه من قبل، فتح حاسوبه وصفحة بيضاء جديدة أمامه، يتصفّح سريعاً بعينِ صُحفيّة تُبصر الأشياء بفراسة كعادته مُنذ بدأ العمل محرراً لصفحة الأخبار في جريدة الوطن، قائمة بأهمِ الأحداث التي غيّرت مجرى العالم، فقرأ: ((نابليون يغزو روسيا لفرض سلطته في أوروبا… الزعيم الفلبيني أميليو يعلن ثورته على إسبانيا من أجل استقلاله، تُسبى الرجال السّباع في مجزرةٍ كقطيعٍ من الخراف إلى منصّة الذبحِ من قبل غرابيب سود.. و…)). سحب الجرعة الأولى من الدّخان بنهمٍ تصوّرها قنينة أوكسجين، قائلاً: إنّه ليومٌ مشؤوم، كلّ السنّون تنبأ بخطره..  كان عليهم قراءة التاريخ جيّداً لإدراك تلك اللعبة. وقبل أنْ تصل سيجارته لمنتصفها، غصّت روحه بالانتحاب الشجي.

عدتُ لأراه، رمى السيجارة بقوّة في منفضته، سحقها وكأنّه ناقمٌ على شيءٍ، لا سبيل ليده الأخرى غير القبض على روحه تجلّداً.. ؛ ها هو قد تكلّم بصوتٍ خافت، أصغت أنفاسها له؛ ما الذي سأكتبه هذا العام، ما الرثاء الذي يستحقونه، أيّ قصيدة تُعيد صدق حكاية الهِمم لفتيانهم بعد (وكر السّبع ولا خوّان يغلبنا..)، أيُّ مقالٍ ينصفهم ويأجّج الرأي العام ؟ أيُّ تقنية سردية تتجرّع وجعهم، ما القصّة التي تروي خبر ما قرأت، أيُّ … يهيم على وجه يستصرخ كمجنونٍ منتفضاً، أهكذا وكر السبع يُخان، أهكذا دم العراق يُهان، أهكذا أرضه تُستباح…؟!.  إنّه الموت البطيء الذي أعيشه يا أمّاه، أين أنت يا صاح ….. ما عدتُ أحتمل صرخاته بعد، دخلتُ عليه وجدته مغشيّاً على صفحة حاسوبه وفي أعلاها كتب (الذكرى الثامنة لمجزرة سبايكر).  

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى