«عسل و مرارة».. رواية عن وجع ضمير المرتشي

حسن داود..
دون سائر من يتداولون على سرد الرواية ، واحدا بعد واحد، سامية وحدها خُصّت بتعيين تاريخ في كل مرّة يعطى الدور لها بالكلام. «1 أكتوبر/تشرين الأول 2000» كان يوم تدخّلها الأوّل، وهذا متعيّن قبل الكلام الذي ستبدأ بقوله. لكن لم يُتح لها زمن كثير حيث توقفت عن الكلام بعد نحو شهرين، في 17 ديسمبر/كانون الأول من ذلك العام نفسه. ذلك يعود إلى موتها منتحرة بفتح صنبور الغاز بعد إقفالها لنوافذ المطبخ. مراد ومليكة، والداها، كان لهما زمن الرواية كله، منذ زواجهما، وصولا إلى شيخوختهما فموتهما واحداً بعد الآخر. تخلّل تلك الحياة بالطبع ما أطلقا عليه اسم «الفاجعة» فصارا من بعدها غير ما كاناه من قبلها. لكن، مع ذلك، استمرت الرواية تتقدّم بعد رحيل سامية، وإن محمّلة، بل غارقة، بثقل فاجعتها التي لا تحتمل.
«عسل ومرارة» العنوان يدلّ على ذلك، بين ما يدلّ عليه هذا العنوان أيضا هو أن الرواية تنقل وقائع من حياة كاملة عاشها زوجان، لكن، فلننتبه هنا إلى أن العسل قليل. لم يحظ الزوجان إلا بحياة عادية عرفا فيها بعض التحسّن في مدخول الزوج وأنجبا فيها ثلاثة أولاد سَلِم اثنان منهما هما آدم ومنصف. وهذان لم يعوّضا الأهل كفاية عن فقدان سامية، فأحدهما (منصف) يقيم في كندا والآخر (آدم) تحجب عنه زوجته التأشيرة ليقوم بزيارة أهله، حسب ما تتندّر الأم.
هي حياة عادية إذن ونموذجية، على الرغم مما تخلّلها. حياة عادية كان فيها إقبال الزوج البطيء والمتدرج على قبول الرشوة من أصحاب المراجعات. لقد أدرجت الرواية مراحل ذلك القبول بإسهاب، مبيّنة نتائجه في أحوال العائلة المادية، وكذلك في وجع ضمير المرتشي، الذي صار أكثر إلحاحاً وحدّة بعد تقاعده. من وقائع الحياة العادية، أيضا، البيت الذي كان في البداية أشبه بقبو، وأحوال الأولاد في ما هم يكبرون، ومنها كذلك المشادات الكلامية بين الزوجين، وتباعدهما مع مرور الزمن على الرغم من استمرارهما باقيين معا في البيت نفسه. وفي صفحات الرواية يدلي كل منهما بما يراه، أو بما يعكّره، في الآخر، فنقرأ ما يرتقي إلى مستوى الكشف لما هو مشترك وعام بين كل زوجين. ونحن، في أثناء ذلك، نعجب من انتباه الكاتب إلى أن التناكف الزوجي، هذا الذي كنا نعرفه، تُفاجئنا قراءته.
من وقائع الحياة العادية أيضا استخدام العائلة، بعد كبر الأولاد، للشاب الموريتاني (فياد) الذي أشركه الكاتب في تولّي السرد، فراح يروي أشياء عن حياته وعن بلده الذي لا يرغب أبدا في العودة إليه.



