“تحولات البنى وتنازع الاتجاهات” قراءة عراقية للواقع النقدي العربي

عمر رعد..
تعددت مؤخرا الدراسات التي تتناول بالبحث والدراسة الواقع النقدي وتداخلات الرؤى ومواجهات الحديث للقديم في الإجراء، وهو أمر نتج عنه اختلاف في الرؤى وتنازع في التصورات المنهجية، مع تباين المواقف النقدية في تأصيل المفاهيم وكيفية التعامل معها، فما بين التراث والحداثة علاقة ترتبط بمنتج أمة أكثر من كونه مجرد وعي بقضية أدبية وممارسة فكرية .
تروم هذه المقالة للوقوف عند قراءة الناقدة العراقية والأكاديمية وسن عبد المنعم للواقع النقدي العربي في كتابها الموسوم بـ«تحولات البنى وتنازع الاتجاهات: قراءة في التراث والحداثة» وفحص تشكلاته المعاصرة في قراءة تكشف منذ البدء عن ميل الناقدة إلى تحريك بوصلة القراءة باتجاه نقد النقد، لتأصيل علمي دقيق لمفاهيم مشتبكة بمعيار تفكيكي/ بنيوي يعاكس دينامية التقاطع بين القديم الموروث والحديث، وهذه الرؤية تخلخل أنظمة الواقع المتأسس على نظريات التجاوز والتهميش من جهة، والانبهار والتقليد من أخرى، فالكتاب هو مشروع متوازن يضرب في عمق المادة المؤدلجة لتأسيس بـُعد معرفي يفكّ الخناق في فلسفة تلقي النص.
تتمثل رؤية الكتاب في أنه ينطلق من وعي تراكمي وفكرة تتأسس من معايشة الإبداع الأدبي: كتابةً ونقداً، ثم رصد دقيق للنصوص وخصوصية تعاطيها مع المحتوى المنهجي الذي تجترحه المؤلفة، فالكتاب ينطلق من رؤية شمولية تتجاوز المسالك الضيقة بين التراث والحداثة وما بعدها، فتقدم قراءة معرفية لمحايثات النقد وإشكالياته، زيادة على ما تطرحه البنى النصية من أبعاد تستجيب للذائقة المعاصرة، وتسمح بإعادة تصورها وتقييما وتقويمها، فتكسر حواجز التنميط والأيديولوجيات الثابتة، ثم تخرج بتأصيل نظري/ تطبيقي بمتابعة واعية بالتحليل والتعليل يستقرئ الطروحات ويرصد تحولاتها.
يشتغل الكتاب برؤية إجرائية ضمن مسارات أسئلة النقد ونقد النقد بثمانية عنوانات تتجه برؤية تتجاوز القولبة الأدبية والصبغة الأكاديمية، وتأتي هذه الأسئلة تبعاً لما تحمله اشتغالات تتعاطى مع مرجعيات الأدب، كذلك يعمد الكتاب إلى تفكيك مقولات بعض النقاد ووضعها في ممر المناقشة والتقصي ، فيضع المتلقي في مسافة بين مسافتين: مسافة المقولات النقدية، ومسافة الحفر في منظومة الفكر النقدي، ومن هنا نكون أمام إشكاليات الفهم ومداخل التنازع والهيمنة، بين ما هو متحقق في التراث وما هو حاصل في الحداثة، ومع إننا نفهم أن النقد هو خطاب قابل للتطوير، نسلّم بكونه ممارسة علمية لاستقبال النص وفهمه بثقافة العصر، وفي ضوء المعطيات السائدة، وأن أي محاولة جديدة قائمة على منهجية معتبرة أو نظرية مكتملة فهي لا تعد مرحلة تطوير، إنما هي اكتشاف أو ابتكار منعزل عن المرحلة السابقة.



