ثقافية

«على ضفة نهر الأشياء» .. تأملات الأنا وتجليات الطبيعة

 

محمود أبوحامد..

من عتبة العنوان إلى مدخل الديوان، مروراً بالفصول والسهوب والبحار، وصولاً إلى آخر سطر فيه، يبدو الشاعر أسامة إسبر وكأنه يمنح للتناص مع الطبيعة تعريفاً جديداً، ويتعداه من فهمه اللغوي المعجمي والاصطلاحي إلى وجوده التأملي والفلسفي والجمالي، في توالد يتدفق بين «أنا» الشاعر وتجليات الطبيعة بأشيائها ومكوناتها وكائناتها.. فعنوان الديوان «على ضفة نهر الأشياء» لم يكن: نهر الأشياء، أو ضفة النهر، بل ثمة حيز لتلك الأشياء وهي ضفة نهرها، وعلى هذه الضفة ثمة كائن ما.. (تنحني عيناي فوق ورقة عشب،/ ترتفعان إلى قّشة في الهواء/ تعومان في ماء النهر/ وتراقبان ظلالاً تجري على الضفاف/ هرباً من شمس ُمشرقة).

وتستمر هذه العلاقة بمكوناتها وخيوطها وأحداثها وتصوراتها ودلالاتها وأبعادها في جميع قصائد الديوان وعناوينه الداخلية وحكاياته وتداعياته، وآلية تدفق المعاني والرؤيا في قصائده وبين سطورها.. ويتم ذلك عبر تقص معرفي طازج ومباغت للذات وعلاقتها بكل ما هو خارجها.. علاقتها بالكائنات المهمشة وبالحياة بحركة الأشياء فيها وليس بروحها وحسب.. إنه نهر الأشياء الذي يعيش الشاعر معه وعلى ضفته، ليتعلم من انبثاق الضوء وصوت الريح وتفتح الزهر ونضوج الثمر.. أفكاراً ومعاني ومبادئ مغايرة، ويعلن الحرب على كل المبادئ والعقائد والمدارس، التي بنت بيوت عناكبها في دماغه.. يركض مع الظلال التي تجري وراء الأشكال الهاربة، يصغي لنبض الأرض وشرايين الينابيع تحت التراب.. يقرأ سطوراً من صفحات الماء والهواء والأضواء.. يكوّن أفكاراً تنحل خيوط كلماتها في ماء يتدفق أو زهرة تنمو أو عطر ينتشر..

في مدرسة الأشياء لا مرجعية للأشياء إلا ذراتها التي لا تتوقف عن الرحيل عبر الدروب، بينما في المدارس التي تعلم فيها الشاعر، كانت الأشياء نسخاً عن بعضها، وبدلة الفتوة تخنق عنفوان الشباب بأنشوطة التعاليم.. (ولعقود، كانت مقاعد الدراسة وجدرانها السرية/ أعشاشاً لطيور كلمات آتية من فردوس الشرود/ من أحلام يقظة تمحو ألوان الساعات البطيئة/ من أفكار متسربة من عوالم بعيدة في الباطن/ هدمت الجسور والطرق إليها).

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى