“نزيفُ الملح” قصائد عن محن الوطن وأوجاعه

المراقب العراقي / المحرر الثقافي …
يرى الناقد لطيف عبد سالم أن الشَاعِرِ حمَاد خلف الشايع قدّم في مَجْمُوعَةِ “نزيفُ الملح” الشِّعريَّة (37) قصِيدة رسم فيها بلغةٍ شفافة صورة واضحة عن محن الوطن وأوجاعه.
وقال سالم في قراءة نقدية خص بها “المراقب العراقي”: ثَمَّة أمراً استوقفني كثيرًا عندما شرعت في قراءةِ الإصدار الثالث للشَاعرِ حماد الشايع في مسيرتهِ الأدبيَّة، والمتمثل ب مَجْمُوعَةِ (نَزيفُ الملح) الشِّعريَّة التي أصدرها الشايع عام 2018م بـ (120) صفحة مِن القطعِ المتوسط عن دارِ المثقف للطباعةِ والنشر في بغداد، وهو عُنوان هذه المَجْمُوعَة الشِّعريَّة الذي أَدْغَمَها عنصر التشويق بأصالةِ لغة البوح؛ بالنظرِ لصياغته بطريقةٍ مُبهرة تحمل الكثير من الإثارةِ التي تشد انتباه مَن يقتني هذه المَجْمُوعَةِ مِن المُتلقين، فلا رَيْبَ أنَّ العُنوانّ الذي يُعَدُّ بحسبِ أصحاب الشأن والاِختصاص مِن عتباتِ الكتب الأولى المهمة التي تؤدي دور الوسيط ما بين القارئ والنص.
وأضاف: ويمكن القول إنَّ المتأملَ في عُنوان المَجْمُوعَة هذه، يتضح لهُ جليًا أنَّ صاحبَها كان موفقًا في الاختيارِ؛ بالنظرِ لِمَا تحمل عبارة (نَزيفُ الملح) مِن دلالةٍ رمْزِيَّة تعبر على نحوٍ موضوعيّ عمَا انتاب الإنسان مِن شديدِ الحَزن على ما أصابه وبلاده مِن مواجعٍ، فضلًا عن كشفِ مَا مِن شأنهِ إثارة مشاعر الخوف والشُعور بالقلقِ حيال مُستقبل مجهول، فمِن المؤكدِ أنَّ الحَزن أصبح مِن بين هواجس العراقيين التي لا تفارقهم حتّى في ذروةِ أفراحهم.
وتابع: ويبدو أنَّ الشَاعِرَ جهد كثيرًا بمُحاولةِ جذب القارئ إلى التبصرِ في دلالةِ العُنوان، ودفعه أيضًا إلى محاولةِ البَحْث في معناه، الأمر الذي أملى عليه ضرورة توظيف اللغة في صياغةِ العُنوان بأبعادٍ دلاليَّة موحية بألفاظ حسيَّة إلى النزيفِ المتجسد بالمحنِ والمصائب التي تعرض لها العراق الذي يُعَدُّ مَوطِنًا لِأقدمِ الحضارات الإنسانيَّة على الأرض، والذي كثر مَا وصف بـ (ملح الارض).
وواصل :قدّم الشايع في هذه المَجْمُوعَةِ الشِّعريَّة (37) قصِيدة مِن شِّعرِ الشطرَين، والتي رسم فيها بلغةٍ شفافة وكلمات دافئة رقيقة، صورة واضحة لمواضيعٍ عدة، تأرجحت ثيماتها ما بين الوطنيّ والاِجتماعيّ والوجداني والإنساني. ولا أظنني أبـالـغ إذا مَا قلتُ إنَّ مَا زاد مِن جمالِ القصائِد في المَجْمُوعَةِ هذه، وعزز من مُتطلباتِ صناعتها، لَمْ يكن مقتصرًا على تنوعِ نغماتها وحسن اِختيار عناوينها فحسب، إذ كان لسِمَةِ القَصِر فيها دورًا مهمًا في تعزيزِ إبداعية نسجِ صورها الشِّعريَّة أيضًا. ويبدو جليًا أنَّ كاتبها اعتمد كتابة القصائِد القِصار تعبيرًا عن إدراكِه لأهميةِ عنصر الاختصار الخصيب بالمعنى في تأصيلِ إبداعيّةِ المنجزِ الشِّعريّ، فبالإضافة إلى مَزِيَّةِ اِتصال قصائِد المَجْمُوعَة بالحداثةِ في أسلوبِ الصياغة، فإنَّها جاءت في البناءِ بعيدة عن الحشوِ والتطويل والزيادات التي تُعَدُّ من بين أبرز المظاهرِ المعيبة في طريقةِ بناءِ القصِيدة العربيَّة المُعاصرة.
وبين: وفي قصِيدته التي جاءت تحت عُنوان (همُّ العراق)، يترجم الشايع مظلومية شعبه بأبياتٍ بليغة يتماهى ما بين ثناياها مع مَا قال الشَاعِر الجاهلي طرفة بن العبد في معلقتهِ التي مطلعها: (وَظُلمُ ذَوي القُربى أَشَدُّ مَضاضَةً *** عَلى المَرءِ مِن وَقعِ الحُسامِ المُهَنَّدِ)، فالظلم وإنْ تماثلت أنماطه في المفهومِ الذي يستند إلى افتقارِ الحد الأدنى مِن معاييرِ العدالة التي مِن شأنِها تدعيم الكرامة الإنسانيَّة، إلا أنَّ مخرجاته المباشرة وغير المباشرة تظل متفاوتة ومتباينة، وغالبًا مَا تكون عميقة الأثر. ومِن المسلم به هو أنَّ الظلمَ الذي يتأتى من أبناءِ العمومة يبقى أشد أثرًا وأعنف وقعًا على النفس. وهو مَا عناه الشايع في بعض ما قال من أبياتٍ في هذه القصِيدة التي ختمها بالتيقنِ مِن بقاءِ بلده العراق شامخًا على الرغمِ مِن كلِّ الجِراح.
وأوضح :في قصيدته التي وسمها بـ ( ليلٌ على الطَفّ)، لَمْ يكتفِ الشايع بنثرِ المشَاعِر التي تفجر العُيون حزنًا على فاجعةِ الطف الأليمَة التي جرت أحداثها في العاشرِ من المحرمٍ الحرام، بل استلهم مِمَا جرى على رمالِ كربلاء من معانٍ إنسانيَّة سامية خلفها استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) وأهل بيته الكرام وأصحابه المبجلين، والتي أصبحت نهجًا لكلِّ إنسانٍ رافضُا للظلمِ، ومواجهًا لكلِّ ما له علاقة بالاِستبدادِ والعبوديَّة؛ لأجلِ استعادةِ حريته وكرامته الإنسانيَّة المسلوبة.
و لفت الى أن الشاعِر استمر في نسجِ القصائِد التي تفيض رقة وعذوبة وهي تتوالى عبر صفحات هذه المجموعة، حتّى يوصلنا في نهايةِ المطاف إلى ما يمكن أنْ أشيرَ إليه باسمِ (قصيدة المَجْمُوعَة)، وأعني بها قصيدة نَزيفُ الملح التي جعلها الشايع مسك الختام لمَجْمُوعَتِه، فضلًا عن حملِها اسم المَجْمُوعَة برمتها. ولعلَّ ما تجدر الإشارة إليه في هذا السياق هو أنَّ العُنوانَ يشكل رمزًا ذا دلالة إيحائيَّة، الأمر الذي يفرض على الشَاعِرِ أنْ يتحلى بمعرفةٍ واسعة فيما تتطلب مقتضيات صياغته، والتي تلزمه أيضًا عدم الخضوع للعبثيةِ في إنجازِ مهمة متباينة الصعوبة مَا بين الشُعراء؛ بغية ضمان الحصول على مقبوليةِ النخب مِن المُتلقين.
ونوه الى انه مِن خلال التمعن بِمَا ضمَّــتْ المَجْمُوعَة بين دفتيْها مِن قصائِدٍ قصد استعراض ثيماتها، يتضح لنا على نحوٍ جلي أنَّ الشايعَ ظَفَرَ بعنوانٍ يحقق اتصال بنيته الدلاليَّة بمضمونِ ما قدم مِن قصائِدٍ في مَجْمُوعَةِ نَزِيف الملح الشِّعريَّة، بالإضافةِ إلى اِتسامهِ بالتكثيفٍ اللغويّ الذي أَضْفَى عليه عذوبة، وأكسبه مسحة مِن الشجن.
وختم :في قصِيدةِ نَزِيف الملح، صاغ الشايع لوحةً شِّعريةً مغموسة بِمَا مِن شأنه أنْ يدميَ القلب، ويفجع النفس لوطنٍ ينزف دمًا، و يتوجع ألمًا، بعد أنْ تكاثرت عليه السهام المسمومة مِن كلِّ حَدَبٍ وصَوْب، فأصابتهُ بجروحٍ غائرة أخمدت عنفوانه، حتّى صَعبَ على الغيارى خياطتها وتنظيف قيحها. ولأنَّ الشَاعِرَ مَجْبُولٌ على مقولةِ العراق ملح الأرض وعطرها، فإنّ ذلك أوحى إليه الاعتمادِ مجازًا على تأوهاتِ الملح المعروف بأهميته وبياضه الناصع رمزًا للدلالةِ على مَا يسكن حاضر البلاد مِن المحنِ التي استوطنت خياله، ومَا غُرس في ذاكرته ووجدانه مِن مواجعِ وطنه.



