ثقافية

“حسب الشيخ جعفر” .. عندما يسعى الشاعر للإمساك بالزمن

 

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…

 يرى الناقد علي حسن الفواز أن  المجموعة الكاملة لأيِّ كاتبٍ هي «متحفه الشخصي» ومن يعمد لصناعة المتحف، فإنه يسعى للإمساك بالزمن، وضبط إيقاعه ، مبينا أن شاعرا رائدا مثل حسب الشيخ جعفر يُعطي لقارئه فرصة الاقتراب النقدي من تاريخ الشعرية العراقية المعاصرة.

وقال الفواز في قراءة نقدية خص به ” المراقب العراقي “إن المجموعة الكاملة لأيِّ كاتبٍ هي «متحفه الشخصي» ومن يعمد لصناعة المتحف، فإنه يسعى للإمساك بالزمن، وضبط إيقاعه، وأحسب أن هذه المهمة العسيرة هي النظير التمثيلي لصناعة التاريخ، إذ يكون هذا التاريخ هو المتاحف المبعثرة أو المنتظمة..

وأضاف: مع صدور المجموعة الكاملة للشاعر حسب الشيخ جعفر عن دار الشؤون الثقافية العامة/بغداد/ 2022 نجد أنفسنا أمام فضاء بصري لمعاينة «متحف الشاعر» ولقراءة تجربته وهي تكتمل في السيرة الشعرية، وفي مقاربة تحولاتها الفنية والشكلية، وأحسب أن شاعرا رائدا مثل حسب الشيخ جعفر يُعطي لقارئه فرصة الاقتراب النقدي من تاريخ الشعرية العراقية المعاصرة، على مستوى تحديثها، أو على مستوى تجريبها، وعلى مستوى علاقة الشاعر بما هو ثقافي وسياسي وأيديولوجي، إذ من الصعب فصل التجربة الشعرية العراقية عن الأيديولوجيا، فالشاعر هو الشاهد والرائي والفاعل فيها، مثلما هو المتورط في أسئلتها، وفي صراعاتها ومغامراتها وفي انكساراتها.

وتابع : حسب الشيخ جعفر الشاعر المهاجر إلى المدينة وإلى الأيديولوجيا في آن معا، وجد في القصيدة مركبه، ولعبته ورهانه على التجاوز، وعلى ممارسة التحول الرمزي في الوعي، وفي استكناه ما تحمله اللغة الشعرية من أسئلة غائرة، ومن استعارات أخذت به إلى التمرد على الوجود، وعلى إيقاظ الذاكرة، حيث افتضاح المكبوت، وحيث لذائذ الرؤيا، وحيث الأمكنة المتحولة التي تنزع عنها الوحشة والغبار، إذ تدعوه القصيدة إلى صحو فائق، وإلى كتابة تتداخل فيها الطبيعة مع الجسد، مثلما ينكشف فيها الزمن على سيولة ينزلق معها الشاعر إلى غواية الحرية، وإلى قلق المنفى، يستدعي أصواته الخبيئة، وأسلافه من المدن القديمة والأساطير والحكايات، ليكتب لقارئيه تغريبة شعرية، تساكنها الهجرات والفتوحات الحسية والأسئلة الفلسفية..

وبين إن قراءة تجربة حسب الشيخ جعفر، تعني قراءة مؤثراتها، فبقدر ما يحضر التاريخ القريب فيها، لاسيما الشاعر الرصافي الذي قرأه مبكرا، والشعراء الرعويين، فإنّ ملامح التجربة الحقيقية بدأت مع ظلال بدر شاكر السياب في غنائيته، وفي لغته المشبوكة بالجزالة، والنزوع إلى قصيدة النشيد، حيث كان السياب يكسر الحاجز، ويلتمس روح الخلق عبر الطبيعة والمرأة، وعبر الأسئلة التي تخص الوجود، لكن حسب سرعان ما افترق عنه، إذ ساكنه قلق آخر، قلق المغايرة، والانفتاح الفلسفي، ورؤيا الفقد، لكن ليس بمعنى ثنائية الموت والانبعاث، كما عند السياب، بل بمعناه الوجودي، حيث الانتظار، والترقب، وانتظار الغائب، الذي جعله الأقرب إلى أسطورة أورفيوس الباحث الأزلي عن أوريديس.

وواصل :أن هذا البحث الأسطوري، هو ذاته البحث الشعري الذي تلبّس حسب الشيخ جعفر، والذي استغرقه بهواجس المغامرة، ولتجديد تقانة القصيدة ومعجمها التعبيري، فكانت قصائده في مجموعاته الشعرية «الطائر الخشبي» «زيارة السيدة السومرية» «عبر الحائط في المرآة» هي العلامات الفارقة للتحوّل المهم في تجربة الشاعر، وفي تحرير شعريته من «معطف السياب» والشعراء التموزيين، والبحث عن مفهوم آخر للتجاوز، من خلال إنضاج فكرة القطيعة الشعرية، بوصفها وجها آخر للقطيعة المعرفية، ولضرورة أن يجد الشاعر نفسه أمام أسئلة أخرى حول فلسفة التمرد، والتثاقف والحرية والانفتاح على الآخر، مقابل الاقتراب من الذات، بوصفها ذاتا لجوجة، متوجسة، لم تتخلص كثيرا من استغوار الذاكرة، إذ تحضر فيها كل أساطير الجنوب وحكاياته، مثلما تتشاطرها أساطير الإغريق، وحكايات النساء السومريات، وهذا الاحتشاد كان مصدرا مهما في إبراز فرادة الشاعر، وفي تحفيز مخيلته، وتوسيع جهازه الاستعاري، إذ ظلّ مسكونا بفكرة الملاحقة، يتقصى فكرة الغائب والهارب، كمعادل نفسي لبحثه عن «الجمال الهارب» و«السيدة السومرية».

وواصل :احتشدت تجربة الستينيات في العراق بالشعراء المغامرين، وشعراء الأيديولوجيا والثورة و»الراية» كما سمّاهم فوزي كريم، وهذا التوصيف أسبغ كثيرا من مظاهره وتجلياته الرؤيوية على تلك التجربة، وعلى المتغير والجديد في أنماط كتابة شعرائها.. علاقة الشاعر حسب الشيخ جعفر بالأيديولوجيا لم تكن صاخبة، فبقدر ما هو الشيوعي المؤدلج، لكنه كان الصموت، وقصيدته تنزع إلى التصريح بـ«نبرته الخافتة» ليبدو شاعرا للحياة، أكثر من كونه شاعر للقضية والثورة، فما هو حسي يحضر بشراهة، وعبر صور تتلاحق وتتكرر، وكأنها تعكس تدفقه الروحي، وشغفه بالوجود، فهو يطرحها كعلامات لتحوله الشعري، ولفصاحة مشهده الشخصي، ذي القاموس والرؤى الخاصة، التي نأى بها كثيرا عن جيل الستينيات على مستوى الرهان الأيديولوجي، أو على مستوى الرهان الشعري.

وختم: أن هذا الإنوجاد جعله أمام غربة تأثرية إزاء أغلب شعراء المرحلة الذين استغرقتهم روح الغرب، عبر نزعات التمرد، والسأم، والوجودية والعبث الكاموي، والتجريب الصاخب في الشعر الغربي، فكان بودلير ورامبو، وأبولينير، وإيف بونفوا، رنيه شار وسان جون بيرس وغيرهم، مثلما كانت قصائد والت ويتمان، وقصائد جماعة «البيت» لاسيما قصيدة «عواء» للشاعر ألن غيسنبرغ، التي تحولت إلى أيقونة شعرية للتمرد والاحتجاج.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى