اخر الأخبارالنسخة الرقميةتقارير خاصةسلايدر

الجفاف يداهم جنوب العراق بسبب عشوائية الخطة الزراعية

رغم تحسّن الخزين المائي


المراقب العراقي/ أحمد سعدون..


رغم التحسّن النسبي الذي شهدته مناسيب المياه في الأنهار والسدود العراقية عقب موجات الأمطار والسيول خلال الأشهر الماضية، إلا أن المختصين أكدوا، أن هذا التحسّن لا يمثل سوى انفراجة مؤقتة، ولا يعكس انتهاء أزمة المياه التي تعاني منها البلاد منذ سنوات، خصوصاً في محافظات الجنوب والفرات الأوسط التي مازالت تواجه تداعيات الجفاف والتصحر وتراجع النشاط الزراعي.
ويرى مختصون في الشأن المائي، أن العراق لا يزال يفتقر إلى استراتيجية طويلة الأمد لإدارة موارده المائية، إذ تدار المياه بعقلية الوفرة الموسمية، وليس وفق خطط اقتصادية وعلمية تضمن استدامة الموارد، في وقت يعتمد فيه البلد على مصادر خارجية توفر نحو 70% من احتياجاته المائية عبر نهري دجلة والفرات وروافدهما، مقابل 30% فقط من الموارد الداخلية، ما يجعله رهينة لسياسات دول المنبع وتقلبات الإطلاقات المائية.

وعلى امتداد محافظات ذي قار وميسان والبصرة والمثنى والديوانية، لا تزال آثار الأزمة المائية واضحة، إذ تتواصل موجات التصحر والهجرة من الريف إلى المدن، رغم إعلان الحكومة عن تحسّن الموسم المائي.
وأكد المختصون، أن المشكلة لم تعد مرتبطة بانخفاض مناسيب المياه فقط، بل أصبحت أزمة مركبة تتداخل فيها عوامل التغير المناخي وسوء إدارة الموارد وضعف الاتفاقات الإقليمية الخاصة بتقاسم المياه.
وأشاروا إلى أن العراق مرَّ خلال السنوات الأربع الماضية بأصعب مراحله المائية، إذ بلغ الجفاف ذروته خلال عام 2025، عندما تراجع الخزين المائي إلى أقل من خمسة مليارات متر مكعب، قبل أن ينخفض إلى نحو ملياري متر مكعب في نهاية العام، الأمر الذي أثار مخاوف حقيقية بشأن تأمين مياه الشرب والاحتياجات الزراعية.
ولفتوا الى أن الأمطار الأخيرة لم تكن نتيجة تحسّن في إدارة الملف المائي أو نجاح المفاوضات مع دول المنبع، ولا سيما تركيا، بل جاءت كعامل طبيعي وموسمي لا يمكن التعويل عليه في بناء سياسات مائية مستدامة، محذرين من أن أي تراجع جديد في الإطلاقات سيعيد البلاد إلى دائرة الأزمة سريعاً.

وفي الوقت الذي أعلنت فيه وزارة الزراعة توسيع الخطة الزراعية للموسم الصيفي إلى نحو 1.8 مليون دونم، بينها أكثر من 360 ألف دونم مخصصة لزراعة الشلب، بيّن المختصون، أن هذه الخطوة تنطوي على مخاطر كبيرة في ظل هشاشة الخزين المائي وعدم وجود ضمانات ثابتة بشأن الإطلاقات القادمة.
وأكدوا، أن التوسع في زراعة المحاصيل التي تحتاج الى وفرة مائية ومنها الشلب، قد يؤدي إلى استنزاف الاحتياطيات المائية، خصوصاً مع غياب اتفاقات ملزمة مع دول المنبع، الأمر الذي يجعل الخطط الزراعية عرضة للاضطراب مع أي انخفاض في الواردات المائية.
من جانبه، أكد الباحث بالشأن البيئي أحمد نعمة، في حديث لـ”المراقب العراقي”، أن “الوفرة المائية الحالية لا تزال محدودة ولا ترقى إلى مستوى يضمن استدامة الموارد، مشيراً إلى أن وزارة الزراعة باشرت تنفيذ الخطة بشكل واسع، في وقت لا يلتزم فيه العديد من الفلاحين بالحصص المائية المخصصة لهم.”
وأوضح نعمة، أن “هناك عدداً كبيراً من بحيرات الأسماك غير المرخصة، فضلاً عن مساحات من زراعة الشلب تدار خارج إطار الخطة الزراعية الرسمية، وهو ما يؤدي إلى استهلاك كميات إضافية من المياه ويزيد من الضغوط على الخزين المائي”.

وأضاف، أن “أهوار جنوب العراق ما تزال تعاني من نقص واضح في الإمدادات المائية، رغم قيام الحكومة بإطلاق كميات إضافية من المياه باتجاهها”، مبيناً، أن “تلك الإطلاقات لم تكن كافية لمعالجة مساحات الجفاف التي تراكمت خلال السنوات الماضية بسبب شدة الأزمة المائية”.
وأشار إلى أن “أجزاءً واسعة من الأهوار بدأت تتعرض لأضرار بيئية نتيجة استمرار انخفاض الإمدادات المائية، محذراً من أن استمرار هذا الوضع سيؤثر بشكل مباشر في التنوع البيئي والثروة السمكية وسبل عيش السكان المحليين”.
ويجمع المختصون على أن العراق بحاجة إلى إصلاح شامل لسياساته المائية، يقوم على ترشيد الاستهلاك، وتطوير وسائل الري الحديثة، وإعادة النظر في الخطط الزراعية، بالتوازي مع تحرك دبلوماسي أكثر فاعلية لضمان حقوقه المائية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى