بوتين يحشد .. الرسالة لأردوغان أيضاً

بقلم/حسني محلي..
يقول الشاعر التركي الشهير وكاتب النشيد الوطني، محمد عاكف: “يقولون عن التاريخ إنه يكرّر نفسه، فلو استخلصت الدروس منه لما كرّر نفسه“.
مقولة مهمة تأتي في مكانها لوصف الحالة الأوكرانية التي تذكّر بسنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية، وإنشاء حلف وارسو كردّ على الحلف الأطلسي الذي تأسّس عام 1949. كما هي تذكّر بمساعي تركيا للانضمام إلى هذا الحلف بحجج ومبرّرات شبيهة بتلك التي تطرحها أوكرانيا الآن، وبتحريض من الغرب، وأهمها “إن روسيا ستغزوها“.
كما أصبحت تركيا عضواً مؤسّساً في حلف بغداد الذي انتهج سياسات معادية ضد الدول العربية، وخاصة سوريا ومصر والعراق والأردن ولبنان، بعد أن زار بن غوريون أنقرة سراً في الـ29 من آب/ أغسطس 1958، والتقى مندرس، في الوقت الذي كانت فيه واشنطن تبني قواعدها ومحطاتها البحرية والبرية والجوية، التي وصل عددها إلى نحو 150 قاعدة، أواخر الستينيات من القرن الماضي.
وبقيت هذه العلاقة العضوية بين أنقرة وواشنطن العنصر الاستراتيجي المؤثر في مجمل قرارات تركيا الخاصة بالسياسة الداخلية والخارجية، بشكل مباشر أو غير مباشر، وخاصة في ما يتعلق بالشرق الأوسط والاتحاد السوفياتي، ولاحقاً روسيا. ويفسّر ذلك التحركات التركية القومية والدينية في آسيا الوسطى والقوقاز بعد سقوط الاتحاد السوفياتي وميلاد الجمهوريات الإسلامية في هذه المناطق، ومن دون أن تهمل أنقرة لاحقاً علاقاتها مع دول البلقان، وفيها جاليات إسلامية كبيرة وهي ذات أصول تركية، أرادت أنقرة، وخاصة في عهد الرئيس رجب طيب إردوغان ومن قبله تورغوت أوزال، الاستفادة منها في مخططاتها ومشاريعها القومية التاريخية، وأهمها ضد روسيا، وريثة الاتحاد السوفياتي، ومن قبله الإمبراطورية الروسية التي بدأت علاقاتها مع الدولة العثمانية عام 1520 في عهد سليمان القانوني. وشهدت هذه العلاقات 16 حرباً ضارية (بعض المصادر يقول 14)، وكان الصراع على البحر الأسود من أهم أسباب هذه الحروب، وانتهى 11 منها بانتصار الروس.
فعلى الرغم من موافقة موسكو على دخول الجيش التركي إلى سوريا في الـ24 من آب/ أغسطس 2016 (الذكرى الـ 500 لمعركة مرج دابق)، فقد تضاربت المصالح التركية دائماً مع الحسابات الروسية، ليس فقط في سوريا وليبيا، بل في القوقاز وآسيا الوسطى أيضاً، وأخيراً في أوكرانيا وجورجيا، والعديد من جمهوريات البلطيق التي تسعى أنقرة لتطوير علاقاتها العسكرية معها، بما في ذلك بيعها طائراتها المسيّرة. كما أعلنت أنقرة، وفي أكثر من مناسبة، تضامنها مع كييف، ورفضها القرار الروسي بالسيطرة على شبه جزيرة القرم، وقالت “إنها ستستمر في دعم الأقلية التركية المسلمة هناك، وهم يناضلون من أجل استقلالهم، وذكرياتهم سيّئة مع الروس، عبر التاريخ بأكمله“.
فأميركا التي فتحت أبواب الحلف أمام جميع الدول الشيوعية السابقة في أوروبا، وهي التشيك وبولندا وهنغاريا (1999)، ثم بلغاريا وإستونيا وليتوانيا ولاتفيا ورومانيا وسلوفاكيا (2004)، وأخيراً ألبانيا وكرواتيا (2009)، والجبل الأسود (2017)، يبدو واضحاً أنها تعقد آمالاً كبيرة على حليفتها تركيا لتضييق الحصار على روسيا في البحر الأسود (عبر أوكرانيا وجورجيا والمضائق) حتى يتسنّى لها الاستعداد للمرحلة التالية من خطة الحزام الأخضر لمحاصرة روسيا والانقضاض عليها عبر حديقتها الخلفية في آسيا الوسطى والقوقاز، وتوجد فيها الجمهوريات الإسلامية ذات الأصول التركية، وهي قريبة من جمهوريات الحكم الذاتي داخل حدود روسيا، ويعيش فيها نحو 20 مليون مسلم.
وقد تكون مساعي الرئيس إردوغان للمصالحة مع الإمارات ومصر والسعودية والبحرين، وبوساطة أميركية وقطرية، في إطار الإعداد لمواجهة تطورات المرحلة المقبلة، ومن دون إهمال “إسرائيل” (وفيها مليون يهودي من أصل روسي) التي لها علاقات مميّزة مع الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف، والأوكراني اليهودي زالينسكي، صديقَيّ وحليفَيّ إردوغان في مجمل تحرّكاته وحساباته التاريخية التي يدركها بوتين جيداً، وقد يردّ عليها قريباً في سوريا، وبعد أن يخرج من أوكرانيا منتصراً!



