التجريد التعبيري في تكوينات التشكيلية أنمار مرآن

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…
يرى الناقد رياض إبراهيم أن فلسفة النقطة والإشعاع والتلاشي كانت حاضرة بقوة في تكوينات الفنانة التشكيلية العراقية أنمار مرآن، مبينا ان أسلوبها اتسم بالتجريد والتجريد التعبيري، وهي لا تنتهي بمفهوم واحد أو بنوع واحد للتجريد.
وقال إبراهيم في قراءة نقدية خص بها ” المراقب العراقي”: يعد الخوض في ماهية الشيء والوجود كفلسفة أو أي اعتقاد من قبل الآخر إن كان مفكرا أو فنانا أو كهنوتيا، وهو بمثابة جدل لا ينتهي عند نتائج وملموسات وحقائق نهائية، يمكن أن تكون حتمية معرفية أو معيارية، لذا يعطي الدرس الفلسفي جوا وطقسا روحيا وصوفيا، يتيح للباحث فيه أن يستعمل كل الأدوات والوسائط المحسوسة وغير المحسوسة، والفنان بصفته عارفا وارتدى جلبابه الصوفي اللوني قد لا يخرج عن هذه المفاهيم والأبجديات المعرفية، والفن الحديث والمعاصر أو ما بعد الحداثة تعددت ألوانه ومفاهيمه وتجاربه، وإن اتفقت أغلبها على مدارس ومذاهب فنية محددة، لكن هي أكثر الثقافات القابلة للجدة والتحديث في مفاهيمها وأساليبها الفنية، وحسب حركة الزمن والعصر كتاريخ وحضارات.
وأضاف :من هنا تأتي تجربة الفنانة العراقية أنمار مرآن المقيمة في سويسرا ومعرضها المقام حاليا في مدينة زيورخ بتمثلها رمزية النقطة، والمعرض يحمل الاسم ذاته (النقطة ) كمحمول دلالي روحي صوفي تجريدي، ينطلق من العمق الفلسفي للنقطة باعتبارها مركز الوجود الكوني، إلى ذاتها بصفتها الإنسانية، وهي محاكاة بين مفهوم فلسفي وجودي للطبيعة والوجود المطلق، ورؤية ذاتية للنفس البشرية التي تعتبرها أي (الذات) كمركز وقطبية أحادية للخلق والتشيؤ والتشكل، فهو تماه بين الذات الجوانية الصرفة، وعمق الوجود وأحاديته ومركز حركته وانطلاقها وصيرورتها في أفلاكها وأقطابها الكونية.
وتابع :اتسم أسلوب أنمار بالتجريد والتجريد التعبيري، وهي لا تنتهي بمفهوم واحد أو بنوع واحد للتجريد، بل تحاول أن تجرب أغلب أقسام التجريد (الطبيعي المطلق والهندسي والصوفي والتعبيري) والمتابع لأعمالها الأخيرة يمكنه تصنيف فلسفة أعمالها كمعنى ومبنى تصويري، بأعمال لها: دلالة الانصهار والاندماج، ودلالة السيادة، ودلالة أنسنة الطبيعة، ودلالة صوفية التوحد والهيام، ودلالة التكوين الهندسي، يستخدم هذا المصطلح ـ الأنسنة – لوصف الميل إلى إلصاق سمات الإنسان بكائنات أخرى غير الإنسان.
وبين :تحاول الفنانة أن تجرب كل اساليب المدرسة التجريدية التي اكتشفت أنها الأقرب إليها من باقي المدارس الفنية، التي تلبي طموحاتها كفنانة تشكيلية متعددة المواهب، وثانيا تلبي حاجاتها الفكرية والنفسية والروحية، باعتبار التجريد لا يخضع المدرسة للقوننة القبلية، بل يعطي مساحة واسعة للتعبير الذاتي وللتجربة الشخصية للفنان، أن يجتهد ليعبر عن مكنونات الجمال المدفونة لديه، وكذلك يترجم ما تكتنفه من حالات نفسية وفكرية ليجسدها على السطح التصويري حسب رؤيته ورؤاه، وهذا ما يشير إليه الفنان فان غوخ، حيث ذهب بالتجريد إلى منطقة أخرى يقول: «إن المشاكل الإنسانية أكثر أهمية وإلحاحا من المشاكل التشكيلية المحضة». نظرا لأهمية ذلك في إبراز الانتماء من خلال التعبير، رغم ما يتكون من اضطرابات على المستوى الداخلي، وهذه المشكلات أدت إلى ربط التجريب المصحوب بالتعبير وتكوينه من خلال أدوات الفنان، وهي الألوان، حتى يصبحا لوحة مخثّرة تعكس ما هو ذاتي من جهة، وباطني عميق من جهة أخرى، ليغدو جوهر المضمون جوهر الفصل بين الفن المجرد من جهة، والتشكيل الفني من جهة أخرى.
وواصل: من سمات هذه المدرسة أنّها تربط الفن بالمشاعر والانفعالات الإنسانية المعيشة، حيث يصبح اللون والخط تعبيرين موصولين بأزمة الإنسان، أي أن براعة الفنان وموهبته وخبرته وجدّته تكمن في أسلوبه التعبيري المحض الذي لا يشبه الآخر، لكي يثبت هذه الموهبة، ولينتج خطابا جماليا وفنيا مختلفا يميزه عن السائد، لهذا تحاول أنمار مرآن، أن تعطي لأعمالها وبوعي كامل صفة التجريب والبحث، لتتسق تجربتها بثقافة التجريب والاكتشاف، ومن النظرة الأولى لجل لوحاتها، سيكتشف المتلقي هذه الصفة التي تتسم بها أعمالها، منذ أن نضجت موهبتها، ودرست الفن بشكل أكاديمي، واشتغلت عليها لتخوض بالتعلم والتدريب وفي أكثر من ميدان في الحقل التقني والمعرفي للفنون.
واوضح :نحن إزاء تجربة تعي ما تقول، وما تخطط، وما تنتج، وهذا المعرض الذي يضم أكثر من خمسين لوحة تشكيلية، خير دليل على ما نقول، ففيه التجريب ماثل من حيث التكوين بكل عناصره الفنية، بدءا من الخط واللون وكيفية التوازن والتناسب بين الكتلة والفراغ، وكيفية إيجاد إيقاع لوني بين المتضادات اللونية والتباين في ما بينها، وعندما تشاهد مثلا وليس للحصر نظرتها وتجسيدها للكرسي، فقد مثلته بأشكال متعددة وبألوان مختلفة بدءا من اللونين الأسود والأبيض، ومن ثم اللون الأحمر والأبيض أو اللون الحبري الأزرق القاتم، ومزج الألوان الحارة وتضاداتها،
وختم: أعتقد من المجازفة والمغامرة، أن يجسد الفنان مفردة رمزية أحادية ليشتغل أعمالا عديدة للمجسم نفسه بدلالاته التعبيرية المشخصة، أي صورة الكرسي التي تشير إلى عرش السلطان بكل ما يعنيه من إشارات للقمع والاحتكار وسحق الجماجم، وتدمير كل المقدرات لتوظيفها من أجل سلطته الفردية، لصنع مجد شخصي له ولنظامه الأوتوقراطي الفردي، على حساب شعبه.



