ثقافية

«نصف ما تبقى».. استعارة فلسطين وفائض أسئلة المثقف الصعبة

المراقب العراقي/ متابعة…

في رواية «نصف ما تبقى» لنيفين سمارة علينا أن نبدأ من النهاية، لأن النهاية -وفق الرواية- هي لحظة ما تبقى لمن بقي من شعب قُطعت أوصاله وضُللت قيادتُه السياسية وأُفقد مثقفوه دورهم في التغيير، وغرقوا في التفسير، وشُوهت البوصلة لدى كل جيل جديد.

من نحن اليوم؟ ماذا نريد؟ وإلى أين نذهب؟ وكيف علينا أن نفعل ذلك؟ هذه هي الأسئلة الحارقة التي تطرحها هذه الرواية التي حبكت بذكاء أدبي واقتصاد لغوي، يشبه البساطة لكنه أبعد ما يكون عنها، وبنسج بعيد عن الترف البلاغي وأقرب ما يكون إليه. تتأمل هذه الرواية في القيود غير المرئية، لما تبقى من الضحية التي حرص النظام الصهيوني الكولونيالي والعربي القمعي على رسم حدود حركتها وأفقها، وتتلمس بعناية حالة التجمد الذي أصابها منذ أن فكت قيودها، أو هكذا شبه لها.

في هذه الرواية ومنذ الغلاف، بحث عن طريق للنصف الغائب التائه من خلال النصف الحاضر الرائي، حيث يتزامن موت جيل النكبة الفاجع ورحيله الهادئ دون انتباه، مع موت ضاج صارخ آخر، موت قاتل وفقط، يقتحم الجيل الثالث بطريقة مبتكرة تجعله يقتل نفسه بيده، موت اجتمعت كل الأسباب المتراكمة سبعين عاما كي يحدث «كيف قتل؟ لا نعرف، تسلمناه جثة مرفقة بتقرير طبي مفصل، لم أقرأه».

لنعد الآن إلى ما قبل البداية، منذ العتبة الأولى يتخاطب العنوان مع عناوين حاضرة في الموروث الفلسطيني الأدبي الجمعي، تشده بقوة وتضاد إليها كـ»باقون» لتوفيق زياد، و»ما تبقى لكم» غسان كنفاني؛ فالبقاء والتبقي فعلان متنافران مشتبكان بـ»الصابرة» ذلك المكان الاستعارة الذي تجعلك الرواية تصدق أنه اسم قرية موجودة، فلا يتساءل القارئ عن صبرها وصَبّارها أيهما أكثر حدة ووجعا؟ هل هي صَبّارة باقية متحدية؟ أم متبقية عالقة حائرة لا تعرف النكوص ولا تتقن الإقدام. نصف ما تبقى هو الغياب والتلاشي البطيء هو البقاء الباهت الفاقد لمعناه.

في الرواية أربع دوائر متداخلة ومترابطة، تمر من خلالها صراعات «ميسم» الدائرة الأولى المجتمع الفلسطيني في الخط الأخضر، الثانية مع المجتمع الإسرائيلي، الثالثة مع فلسطينيي خارج الخط الأخضر والرابعة مع العالم العربي.

في مركز الرواية «ميسم» التي يمر الحدث وزاوية الرؤية من خلالها، اختيارها طبيبة للأطفال من بلد «الصابرة» هو استعارة بليغة لعجز المثقف العضوي في موقع الفعل (غرامشي). تقول ميسم: «ألا أمارس كل يوم حياة طبيعية، ألقى الناس وأعيش ما يعيشه البشر من حب وحزن وشفقة وغضب ومقت. ويتعطل كل هذا أمام أبناء شعبي، وهم في ما هم. ما معنى هذا؟ ماذا يبقي هذا مني وماذا يبقي منكم فيّ؟». فهي ترى الموت والحياة والعطب المزمن، ويراها القارئ تقف على خط التماس عاجزة عن إنقاذ ما تبقى من علامات حياة: حياة جدتها التي تمثل الموت الاستعاري لجيل النكبة الأصلاني، وحياة أخيها «أمير» الذي يتورط مع مافيا الإجرام وهو يمثل فائض فقدان السيطرة الفلسطيني، والسيطرة الفائضة للمؤسسة الصهيونية، وهي عاجزة عن إشفاء العطب والتوحد المزمن لدى الحفيد رشيد، الجيل المتوحد الذي ستخنقه العزلة، عاجزة عن إعطاء الأمل لمنال النابلسية، في أن يسير طفلها محمود على قدميه وقد ولد وسَط تداعيات المشروع الأوسلوي الكسيح، تقف عاجزة أمام استباحة غزة، ولا تملك إلا أن تستعيض بصمت المراقب «نحن نطبب أنفسنا بلم التبرعات لما بعد الحرب». لكنها أيضا الأم والحبيبة والبوصلة التي تنجب للحياة بيسان، وتلك حكاية أخرى مفتوحة سنعود إليها لاحقا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى