غرام الربيعي.. رسامة الأهوار والأضرحة المقدسة

المراقب العراقي/المحرر الثقافي…
يرى الناقد جاسم عاصي أن أهم ما يميز تجربة الفنانة غرام الربيعي،أنها رسامة الاهوار والطيور والأضرحة المقدسة وهو التنوع الذي ينم عن حراك رؤيوي يخص جدلية الواقع بمفرداته المزدحمة، والمعلِنة عن صراعات قد تبدو مستترة، وراء سحر اللون وجدارة الخطوط.
وقال عاصي في قراءة نقدية خص بها ” المراقب العراقب”إن أهم ما يميز تجربة الفنانة غرام الربيعي، هو التنوع الذي ينم عن حراك رؤيوي يخص جدلية الواقع بمفرداته المزدحمة، والمعلِنة عن صراعات قد تبدو مستترة، وراء سحر اللون وجدارة الخطوط، وبنيانها السردي، إلا أن كل هذا لا يخفي مثل هذه الرؤى التي كثيراً ما تُحيطها صور الطقسية الأُنثوية، كشعيرات تميزها علامات دالة على القدسية، كالقبة والمنارة والأزرق الصافي، المستل من قداسة أماكن الأضرحة والمزارات والمساجد.
واضاف: كما أنها تضع المرأة كعلامة قارة ومتواصلة مع الفعل المراد التعبير عنه، كذلك شغل التنوع هذا جماليات المكان وأيقوناته المتعددة كالمزهريات والأصص، والورود وتنوعها فهي قرينة الأمكنة وملازمة لها ومؤثِثة دائمة للأمكنة، بل هي من يضفي على المكان رونقه وسحره. كما أنها لا تبتعد عن تجريد الأشياء في المكان، وإنما تعبر خلاله عن جدل وجود المرأة، ضمن مفردات متعددة ومتنوعة أيضاً، ومنها الأشكال الهندسية، والانحناءات التي تشكل حراكاً لولبياً يقترب من حركة المياه في عنفوانها في بعض اللوحات. وهي تشكلات ترمز إلى اضطراب الحياة وفوضاها.
وتابع :أنها فنانة مولعة بالألوان التي تُضفي على أناقة المرأة خاصية الجمال والدهشة، المندمجة مع سماتها الشعبية. ونساؤها منحدرات من عمق أمكنة المياه كالأهوار، وعمق سحر الطبيعة كالريف أو من البيوت ذات الالتزام بالعفة ورفعة الأخلاق. لذا نجدهن مزينات ومكللات بزخرفة الألوان ذات البنيان الفني الشعبي. عموماً يشكل التنوع الدال على حراك ذهني يتصل بالجمال مباشرة، ومركزاً تُشكل اللوحة بواسطته معمارها الفني. وهذا يتأكد لنا ما نعرفه عنها ضمن ممارسه كتابة الشعر، ولها فيه دواوين مطبوعة. إذن تجربتها الفنية ينطبع عليها حس الشعر، مركزاً على طيف الألوان والخطوط الراسمة للملامح الأنثوية. كذلك توظيف بلاغة اللغة في الفن عبر مفردات جامعة لأطياف اللوحة، فهو تزيين بلاغي صوري.
وأوضح :ليس صدفة أن يخترق الضوء جدار اللوحة، لا لشيء سوى كونها علامة تأكيد على الانفتاح والسطوع، الذي يقلل من رتابة وجود الأشياء، أو كسر رتابتها، الذي يؤكد حيوية الضوء، حراك الأشياء وحيويتها في التعبير. فهي محتفظة بهويتها، خاصة الهوية الأنثوية. فإننا بمواجهة طقوس أنثوية دائمة، وإن حصل نوع من إخفاء الملامح، فإنه يعمل على ترجمة معاناة المرأة وسط علاقات أُسرية واجتماعية، لكن الأنثى بهذا تتذرع بمجموعة علامات ملازمة لحياتها اليومية، بل هي جزء من طقوسها المؤشرة لمعتقدها الديني حصراً، فهي قريبة من الأمكنة المقدسة بعلاماتها، التي تشكل خلفية اللوحة من بين علامات كثيرة لا تنم سوى عن عمق التزامها بمثل هذا المعتقد، فهي أنثى البيوت المحافظة وذات النكهة الشعبية من الطبقات الوسطى في المجتمع فسطح اللوحة مكلل بالعلامات كالأهلة والقباب والمنائر والطيور. إنها تعبر عن سرائر مستقرة ومكتفية بذاتها، لا تشوبها شوائب الواقع وتعرجاته.
وواصل :من هذه العلامات التشكل الشعبي لمكونات السطح، كذلك وجود الحروف التي تنم عن قدسية خالصة، ثم وشم الجدران ومعلقاتها من صور وأيقونات. كما أن تزيين المكان بالأُصص والمزهريات، وتشكلات الزهور، هو جزء من تصورات سحرية المعتقد والتطبع البشري، بجملة من طقوس الحياة. فجمال المكان ناتج من سحر توظيفات الأشياء المكملة لجماليته. والإنسان هو الوحيد القادر على تكييف المكان للعيش والاستقرار، عبر ممكنات قادرة على النهوض بمآلها، ضمن اختيارات ذوقية، وحس جمالي خالص. الإنسان مؤثث وحيد للمكان، فهو يُبعد الجدران عن صمتها وخرسها .
وأكمل :وهذا ما نجده على لوحات الفنانة التي تعتني كثيراً بإضفاء علامات الجمال على أمكنتها. وهي في مجملها أمكنة البيوت والأُسر ذات الانتماء الطبقي الوافر المعتقد، والكثير الالتزام بمعايير الوجود. الفنانة تعمل في كل لوحاتها على استكمال جمالية الأمكنة، خاصة جدرانها.
وبين: ولا تبتعد عن محمولات الذاكرة من مفردات ذاتية، بل نجدها تتخذ لها مجالات من بين العلامات الأخرى، ومنها الحروف، حيث تتداخل معها أبجديات من اللغات القديمة، لاسيما اللغة المسمارية، التي تمتلك سحر التكوين، الذي بهر الفنانين ودفعهم لتسوية العلاقة بين الحرف العربي، مع حروف مسمارية وصورية. وهي من بين جماليات سطح اللوحة.
وختم :أما ما يخص فضاء اللوحة، فإن الربيعي تراعي وجود الأشياء في المكان، لذا تعمل من أجل هذا في توسيع الفضاء، خاصة الفضاء العلوي للسطح، ما يُضفي عبر قداسة السماء المشكلة مع أيقونات ذات الصفة القدسية، نوعاً من تقديس الحياة، بفتح الفضاء للاتساع أكثر. بمعنى أننا نجد الأشياء تسبح بحرية داخل فضاء متسع، وهذا فيه دلالة على الاستقرار الذاتي المكلل بتأثير المعتقد وهيبته، فمعظم تراكمات الرموز والعينات في اللوحة تقود إلى شيء من الاستقرار الذاتي، لأنها تمنح الوجود شيئاً من الإيحاء والاطمئنان الروحي.



