اراء

تحميلة النزاهة ..

بقلم : منهل عبد الأمير المرشدي …
مشهد تمثيلي رائع للدراما السورية بعنوان “تحميلة النزاهة” يتناول البحث عن طريقة لمكافحة الفساد في الدوائر الحكومية بعدما استشرى في جميع مفاصل إحدى المؤسسات التي يظهر فيها رئيس المؤسسة قلقا مضطربا من افتضاحه وانتشار الرشوة بين موظفي الدائرة وكثرة شكاوي المواطنين عليه وعلى جميع من يعمل بمعيته . جاء إليه صديقه الذي يتعامل مع تجار في الشأن الصحي ليخبره بإنجاز طبي جديد يعتبر ثورة كبرى في علاج الفاسدين ومكافحة الفساد يتمثل بإنتاج تحميلة يستخدمها الموظف كل يوم مرة واحدة في بداية الدوام ويستمر مفعولها لمدة ثماني ساعات طوال وقت الدوام يتحول فيها الموظف الى إنسان نزيه في قمة الأخلاق والالتزام لا يقبل الرشوة ولا يضيع دقيقة من وقت العمل ويكون مجدّا مخلصا في عمله . فرح الرجل بما سمع من صديقه وقرر شراء أكبر كمية من تحميلة النزاهة وأن يكون هو أول من يستعملها ومن ثم نائباه ومستشاروه ورؤساء الأقسام ثم جميع الموظفين وصولا إلى عمال الخدمة (الفراشين) وسواق السيارات . سأله صديقه ولماذا الفراشون والسواق . قال رئيس المؤسسة كيف لا والفراش هو العرّاب والسمسار والوسيط والمقرر لشكل الرشوة وقيمتها ثم صاح .. هو الذي أفسدني وغيّر أخلاقي فقد كنت أحمل براءة الأطفال لولا أبو سبهان . في اليوم الثاني وقبل بداية الدوام وقف المدير مع صديقه عند بوابة الدائرة يحمل علبة التحميلات واشترطوا على كل موظف أن يأخذ تحميلة واحدة ويتوجهوا فورا الى المرافق الصحية ليجدوا موظفا خاصا برقابة التحاميل يشرف على وضعها بشكل صحيح في المكان الصحيح . حملها الجميع وتحولت الدائرة في ذلك اليوم الى نموذج للمدينة الفاضلة فحيثما جاء رجل يحمل الرشوة للمدير لإنجاز عمله أو توقيع صفقة له صرخ به المدير وضربه وجمع الناس عليه وهو يصرخ ( يا ناس يا عالم هذا يريد أن يرشيني . يريد أن يفسدني ) وهكذا كان حال بقية الموظفين الذين تحولوا الى ملائكة في الطهارة والنزاهة ينجزون معاملاتهم بوقت أسرع من الضوء وإن عرض عليهم أحد ما رشوة صرخوا به وجمعوا عليه موظفي االدائرة . حتى أبو سبهان كان صوته وصراخه يصدح عند باب المؤسسة يطرد من كان يتفق معهم وهو يصيح اتقوا الله يا فاسدون .. الى هنا نتوقف عند هذا المشهد لنعود الى بيت القصيد في عراق الموعد والوعيد . نحن هنا وله الحمد صار للفساد فينا مؤسسات كاملة وقوانين ضامنة وأساليب لم تخطر على بال ورجال لا يستحيون ولا يخافون . الفساد لدينا مشرعن مضمون وقد استشرى في رئيس الكتلة ومن معه ورئيس الحزب ورئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ورئيس البرلمان ومن معهم والوزراء ومن معهم والنواب ومن معهم ورؤساء المؤسسات ومن معهم والمدراء ومن معهم ورؤساء الأقسام والموظفون والفراشون ومن معهم . الفساد لدينا استشرى في القضاء والنزاهة ومفوضية الانتخابات والمحققين والمحامين وأغلب المعلمين والرياضة واللاعبين والحراس والمحروسين . فهل تنفع بهم تحميلة النزاهة ؟ وكم نحتاج كل يوم وكم نحتاج كل شهر وكم نحتاج كل سنة ؟ من يضمن لنا استخدام رؤساء الكتل والأحزاب وأصحاب الفخامة والسيادة والمعالي لتحميلة النزاهة في الشكل الصحيح في المكان الصحيح . أسئلة كثيرة تفرض نفسها لأن الفساد لدينا غير كل فساد الأرض وأكبر وأدهى من كل فساد ولأن الفاسدين لدينا غير كل الفاسدين شكلا ومضمونا فأغلبهم دعاة الوطن والوطنية والعفة والحياء !!!. علينا أولا أن نلزم من يشتري لنا تحميلة النزاهة بأن يضع التحميلة ويحملها بشكلها الصحيح في مكانها الصحيح قبل أن يوقع عقد الشراء لكي لا يفتح لنا بابا جديدا من أبواب الفساد تحت عنوان صفقة تحميلة النزاهة ..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى