ثقافية

“أوراق ابن حي الشعلان” فصول من ذاكرة سوريا المعاصرة

 

 المراقب العراقي/ متابعة…

في فترة الأربعينيات والخمسينيات، كانت سوريا تعيش فترة جديدة على صعيد الفضاء العام، والمؤسسات السياسية والتعليمية، وهي فترة ترافقت أيضا مع قدوم أفكار عالمية جديدة، وفي ظل هذا التحول، عرفت البلاد ظهور عدد من الشخصيات الفكرية، التي كانت لها إسهامات غنية ومهمة في تاريخ مدنها، خاصة مدنا مثل دمشق وحلب، على صعيد بناء مؤسسات الدولة وأنظمتها التعليمية والثقافية، ونذكر من بين هذه الأسماء، على سبيل المثال لا الحصر، أشخاصا مثل أنطوان مقدسي وعلي الطنطاوي وبديع الكسم وعشرات الأسماء الأخرى التي لعبت دوراً على صعيد تشكل سوريا الجديدة بعيد استقلالها في عام 1946، ومن بين شخصيات هذا الجيل أيضاً الراحل عفيف البهنسي، الذي لعب دورا مهما على صعيد التعريف بتاريخ الفن والعمارة، وساهم في تأسيس كلية الفنون الجميلة، قبل أن يدير مؤسسات المتاحف السورية، التي عرفت في زمنه اكتشافات أثرية مهمة. وما يميز البهنسي وبعض أصدقائه، مثل الباحث الموسيقي صميم الشريف أو صديقه الآخر الفيلسوف مطاع صفدي، أن هذا الجيل عاش لفترة طويلة من الزمن (غالبيتهم توفوا بعد تجاوز التسعينيات تقريبا) ما أتاح لهم العمل في مؤسسات عديدة، ليتحولوا مع مرور الزمن إلى شهود على تقلبات 5 عقود وأكثر من تواريخنا المعاصرة، إلا أن قسما كبيرا من هذه الشخصيات لم يُعثر على أوراق لها حول سيرتها الذاتية، كما طوى النسيان قسماً كبيراً منها. وربما يعود ذلك إلى عدم اهتمامهم مثلا بكتابة سيرهم الذاتية أو يومياتهم، مقارنة بالجيل الذي ولد في سوريا في بدايات القرن العشرين مثل، رستم حيدر، الذين اهتموا بتدوين يومياتهم، ما أتاح لنا معرفة أدق بدورهم وتواريخ تلك الفترة.

في المقابل يبدو أن الجيل اللاحق، كان يعيش في زمن كتابي آخر (ظهور المعطيات الاقتصادية والاجتماعية كبديل عن الموروثات التذكارية) ولعل ذلك ما جعل هذا الجيل أحياناً غير مهتم أو مشغول بترك أوراق حول دوره في بناء بعض مؤسسات البلاد، ما أفقدنا، رغم الملاحظات العديدة التي يسجلها البعض على خطاب الذاكرة، تفاصيل عديدة عن تطور المدينة السورية بعيد الخمسينيات. ولعل هذا الواقع هو ما دفع بالكاتب السوري سعد القاسم إلى محاولة سد النقص في هذا الجزء، من خلال إجراء مقابلات مطولة مع عفيف البهنسي في عام 2017 قبل أشهر قليلة من رحيله عن دنيانا، ما وفر لنا معرفة أدق بدور هذا الرجل وبدايات بعض المؤسسات السورية الثقافية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى