«ناج من المقصلة» دناءة السجان وإبداع السجناء

خالد بريش..
كثرت كتب أدب السجون في هذه المرحلة. وعلى ما يبدو أنها ستكون من خصائص أدبنا العربي في هذا العصر. لأن شعوبنا، ذاقت شتى أنواع السجون وملحقاتها. وحرمت من كل أنواع الحريات. ولكن تبقى هذه الإصدارات قليلة، قياسا بما يحدث في تلك المنتجعات وبما يلاقيه المواطن فيها من ضيافة، وتكريم يفوقان الوصف. وقياسا بكم التعذيب الذي لا يمكن أحيانا للعقل تصوره، والمجازر المرتكبة بحق المسجونين. وكلما خرج كتاب يتسارع القراء إلى التهام صفحاته، ويكتشفوا من خلالها، حقارة ودناءة السجانين، وساديتهم الخارجة عن نطاق الإنسانية.
ومن بين الكتب التي صدرت مؤخرا، وطرقت باب هذا الموضوع، كتاب «ناج من المقصلة » أو ثمانية أعوام في سجن تدمر. للباحث محمد برو. الذي عاش سنوات في جحيم العذاب على أنواعه وألوانه، يصعب وصفها. الصادر في بيروت عن دار جسور للترجمة والنشر. وقد حوى الكتاب 72 فصلا صغيرا. أشبه ما تكون بالمحطات، التي يتعرف القارئ من خلالها على مواضيع مختلفة، وضم آخره ملحقا، لصور ووثائق من نشرات سياسية، وبيانات صدرت في مطلع الثمانينيات. كان مجرد وجود ورقة منها على عتبة باب أحد المواطنين، تذكرة سفر إلى عوالم المجهول، وربما حبال المشنقة.
. يكتب محمد برو، حتى لا يطوي النسيان قصص الذين عاشوا أبشع ما عرفته البشرية في تاريخها الحديث. وهم في ضيافة أقبية سجون الأسد. لقد انتظر الكاتب سنوات طويلة، لكي يفرغ عبر السطور بعضا من ذاكرته ومعاناته، وما عاشه من آلام وعذابات، يصعب تصورها. ولهذا ينبه القارئ إلى صعوبة تقبل حروفه وسرديته «سَتَعْيَا يا صديقي وأنت تتبعني».
سطور هذا الكتاب، تتخطى سرد وقائع السجن القاسية، وأحزانه وآلامه في إطار أدبي تاريخي، لتعبر كل كلمة وعبارة إلى دواخلنا، مفجرة بركانا. فتختفي من صفحاته الأخيلة والاستعارات اللغوية. ولتتحدث الأسلاك المعدنية، التي تتساقط على أجسام المسجونين، والعصي والأحزمة الجلدية. تاركة المكان لأمور من عالم العبث، تتحدث بالنيابة عن المفردات الأدبية. إنه عملية سردية، ليوميات محددة بالزمن والتاريخ والتفاصيل والحوادث، أسبابا ومسببات، فيستحق أن يكون وثيقة لمنظمات حقوق الإنسان، التي تبحث عن أطراف الخيوط.
يتناول الكتاب مظلومية أبرياء، صعدت أرواحهم تحت التعذيب، إلى عوالم السماء، وبقيت أصواتهم وحكايات صرخات الواقفين بصمود وشموخ، أمام حبال المشانق وهم يكبّرون، وكذلك قصص الذين نجوا بأجسادهم، ولكن بقيت الزنازين تسكن دواخلهم، ورفيقهم الدائم في كل تقلبات حياتهم، وحديث معمق عن سجن خارج إطار الزمن والتاريخ والإنسانية، سجن أشبه ما يكون بالمسالخ البشرية، حيث التعذيب بوسائل بدائية بشعة، لا تخطر على بال إنسان، تمسح الكرامة، وتحول الإنسان إلى شيء تافه.بين أيدي سجانين ذوي ملامح قميئة كريهة.



