تحولات وظائف الجدار في أعمال التشكيلي فاضل ضامد

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…
يرى الناقد جاسم عاصي ان الصياغة المتأتية من توظيف الجدار في أعمال التشكيلي فاضل ضامد تعتمد على الكيفية التي يراها الفنان مناسبة لهذا الضرب من الاستعمال أو ذاك. مثل هذه النظرة العملية لفهم وظيفة الجدار، تمنح الفنان على طول مسيرته الفنية، حقيقة جدلية محتوى اللوحة،
وقال عاصي في قراءة نقدية خص بها (المراقب العراقي): الصياغة المتأتية من توظيف الجدار، تعتمد على الكيفية التي يراها الفنان مناسبة لهذا الضرب من الاستعمال أو ذاك. مثل هذه النظرة العملية لفهم وظيفة الجدار، تمنح الفنان على طول مسيرته الفنية، حقيقة جدلية محتوى اللوحة، التي تستعين بمفردات قادرة على تجسيد الأسلوب من جهة، ومنح الممارسة الفنية شيئا من التجديد الذي يمكن نعته بالإشراق من جهة أخرى، لأنه يتكئ على إمكانية ذاتية سائرة وفق تحول مكين، بعيداً عن الافتعال. وهذا ما كان واضحاً لنا ونحن نراقب تجربة الفنان فاضل ضامد لزمن ليس بالقصير، قياساً لما لاحظنا من تحولات في الأسلوب، مع بقاء (الفيكَر) قائماً كالمركز الذي تدور حوله الأفلاك.
وأضاف: إن السمة التي تميز أعمال الفنان وأقرانه؛ كونه يعتمد التدرج في التحول. فجدار لوحته زاخر بالأسس التي تنبئ بحراك التغير الذي يمكن أن نقارنه بتطور الشعر العربي، في ما يخص ميزان الكتابة. وحين نذكر جدار الفنان، إنما نعني ما يؤسسه من عمارة، فهو فنان مولع بتشييد عمارته، لذا وجد أن التدرج في التحول، يضفي عمقاً لما هو جار على المحتوى الجمالي. فعمارته لا تستقر على حال، وعدم استقرارها يواكب تطور المعرفة المجسدة في النوع وليس الكم. كذلك المراقبة والفحص الدائمين للمنجز، ففي سياق تجربته، وجدنا أن عمارة لوحته، ونقصد محتواها وشكلها، ساير منطق اللون المجزأ، والمرتبط مع المجاور، والخط الذي يمثل سردية المحتوى، كل هذا نابع من حرص الفنان على توثيق صورة المكان بأسلوب التجريد، مع الإبقاء على الملامح الدالة على خصائص المكان، عبر مفردات لونية وخطية.
وأشار الى إن الشكل الهندسي في تشكيل المحتوى، دليل نظام الرؤى التي تبحث عن مستقر المكان في الذاكرة، إذ نلاحظ أن عمارة الفنان تمثلها بهرجة الألوان ورصانة الاصطفاف بين الأشكال الهندسية التي تشكل مجموعة جدران تتجاور، أو تتقاطع في حركة دائمة، تؤسس لمعنى عام في اللوحة. ولعل ما استجد في محتوى اللوحة، أو عمارتها؛ هو الدليل على المركب الجديد للعمارة، فثمة عمارة علوية وأخرى سفلية، هذا المنطق أو التسلسل السردي أضفى على حركة المحتوى تخاطباً وتخاطراً يوحيان بوتيرة التنامي والتراتب، وفق منطق فني واضح، فوجود مقطعات الألوان لا يُحدث كثافة زائدة، بقدر ما يمنح تشوفاً مستقراً ومهيأ لتلقٍ بصري ينعكس عليه الهدوء والامتصاص الموضوعي للأشكال.
وتابع: من الملاحظ على محتوى لوحة الفنان؛ أنها تكتسب سعة في المجالات التي تتحرك فيها الأشكال، أي ثمة سببية تمكن تلك المركبات اللونية والخطية من تجسيد المعنى، على الرغم من اتساع رقعة المعاني ضمن كل لوحة. فسطحها زاخر بالتحاور والمواءمة، وجدلية السبب والنتيجة. وهذا الصراع السلمي بين المكونات هيأ فضاء أكثر سعة، وقدرة على استيعاب رؤى المتلقي البصري، لاسيما انعدام التنافر المحتمل بين المكونات، لأن الفنان حريص ـ كما نرى ـ على أن يتعامل مع المكان بأسلوب مغاير، أو وفق ما يرى فيه من خصائص، يجسدها على سطح اللوحة، فهو معني بالخصائص الذاتية الجمالية، وليس الحرفية. فنقل خصائصه من بيئة المكان إلى بيئة اللوحة تتحكم فيها الرؤى الذاتية، مجسدة لما يراه جميلاً في المكان، أي تشكيلات المكان الخام . غير أن ما يؤكد هذا الحرص، في كون الفنان يتعامل مع اللون في الطبيعة كأسلوب ونظرة جمالية أكثر، وهذا ما وجدناه في الخاصية الذاتية، سواء لرؤيته الذاتية، او تطبيقاته الفاعلة على سطح الجدار، إنه ينظر إلى المكان وفق خصائصه الذاتية المكونة لوجوده، لاغياً سمات الخراب التي تتعرض إليها الأمكنة عبر الأزمنة الصعبة، فهو فنان ضمن مجموعة فنانين في المدينة، تتعدد رؤاهم للمكان، وأساليب تجسيد خصائصه، والفنان ضامد يسعى إلى اختيار أسلوبه في عكس خصائص المكان. فنراه معني بتشكلاته المقاومة للمحو والإزالة لوجوده، والتأكيد على خصائصه الدالة. وهذا منطق نجده قار، بالنسبة إلى وجود المكان ومحاولة امحائه، إذ تبقى وفق رؤية الفنان لخصائصه الذاتية التي يجسدها الفن.
وأستطرد: فإذا كان بعض الفنانين يحافظون على الصورة عبر الأسلوب الانطباعي، فإن آخرين يجدون في ملاحقة مكوناته الأساسية مرمى لوحاتهم كالخطوط والألوان. بمعنى الميل في التعبير باتجاه شعرية أخرى مضافة لما قدمه الانطباعيون، فالأمكنة متداولة خاضعة لأساليب الفنانين، الأمر الذي يؤكد كيفية المحافظة على ذاكرة تنطوي على صور تتمثل نصاعة المكان. وفي تقديري إن هذا مهم كرسالة فنية ملقاة على عاتق الفنان.
وأكمل :لعل الانسجام الدائر بين مفردات اللون واحدة من خاصيات تشكل اللوحة، فالضربة اللونية لا ترتكن إلى العشوائية أو التجريب البحت، بقدر ما اعتمدت الرؤى في تشكيلها ومجاوراتها، فالذاتي يؤدي إلى الموضوعي في حراك الألوان، وسطح اللوحة متسع لمثل هذا الحراك النامي والجدلي، فالأجزاء كعلامات تؤدي وظيفتها بشكل يوحي بسعة النظرة للون والخط لأنها ـ كما نرى ـ
وأوضح :ان الفنان يتعامل مع اللون بحذر، ويتعلق أكثر مع الأبيض الذي يكسر في جميع الحالات صرامة بقية الألوان، وتوحدها يأتي من نصاعة الأبيض المشرق والدال على الدعة والسلام بين الإنسان وأخيه الإنسان. ولا يبتعد عن تأثير الأصفر الذي يُضفي إشعاعاً يُبدد العتمة التي قد تنخلق من جراء حراك وزحمة الألوان مع بعضها، فالأبيض والأصفر يمثلان فاصلة التنقيط في المكتوب التشكيلي.



