اخر الأخبار

المراحل الذهبية للإستعمار الأمريكي للمنطقة لماذا تلاشت الإمبراطورية البريطانية في دول الخليج

kj;o;o

1

الحضور العسكري الأمريكي الكثيف إلى منطقة الخليج العربي منذ النصف الثاني من عام 1987، قاطراً معه سفن وكاسحات الألغام الأوروبية المتعددة الجنسيات، لم يكن وليد الساعة، وتطورات الحرب العراقية ـ الإيرانية، والرغبة الكويتية لحماية ناقلات نفطها من الهجمات الجوية، وإنما هو تتويج لعلاقات الهيمنة الأمريكية على دول المنطقة من جهة، وعلاقات التبعية الذليلة من هذه الأنظمة للمركز الإمبريالي من جهة ثانية. كما أنها الترجمة الحقيقية، ليس فقط للإتفاقيات العسكرية والوجود العسكري في دول المنطقة، وإنما أيضاً للإتفاقيات المتعددة الأشكال والحضور المتعدد النواحي للإمبرياليين الأمريكان.
فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وجدت الولايات المتحدة الأمريكية أنها لا يجب أن تستمر في تعاملها مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج عبر البوابة البريطانية، وأن عليها أن تحضر مباشرة بقواتها العسكرية بعد أن تعززت أوضاع شركاتها النفطية التي استخرجت النفط في منطقة لم يكن البريطانيون يتصورون أنها تحتوي على قطرة منه، فإذا بها تسبح على بحار نفطية!
وإذا استثنينا سلطنة عمان التي سعى الأمريكان، إلى توقيع اتفاقية معها في أيلول 1833، مؤكدين اهتمامهم بهذه الدولة ذات الموقع الإستراتيجي، فإن علاقات الولايات المتحدة مع بقية دول المنطقة قد بدأت منذ الثلاثينات من هذا القرن، وانطلقت بعد الحرب العالمية الثانية، وامتدت لاحقاً لتشمل دول المنطقة كافة، مطبقة على جوانب الحياة العسكرية والسياسية والاقتصادية والإدارية كافة وسواها.
وإذا كان الدخول الإستعماري الأوربي(البرتغالي، الفرنسي، الهولندي… البريطاني) إلى منطقة الخليج، قد تم نتيجة موقعها الإستراتيجي في شبكة خطوط المواصلات البحرية للدول الإستعمارية الأوروبية، فإن الدخول الأمريكي قد جاء من خلال النفط، وفي مرحلة انحسار الإستعمار التقليدي، وبروز الولايات المتحدة كقوة إمبريالية عظمى ورثت سائر الإمبرياليات، واحتدام الصراع بين معسكر الإشتراكية والتحرر والتقدم من جهة، ومعسكر الإمبريالية والصهيونية والرجعية من جهة ثانية.
وبالرغم من متانة العلاقات بين غالبية الدول الخليجية والولايات المتحدة الأمريكية، فإن هذه الدول تخاف أن تطلع الجماهير على الإتفاقيات التي تربطها مع هذه الدول الإمبريالية العدوة للأمة العربية، بل إن غالبية هذه الدول تنكر غالبية الإتفاقيات بينها وبين واشنطن، وتصمت عندما تنكشف الفضيحة، وإذا اضطرت للرد فإنها توزع التهم على (المتصيدين في الماء العكر الذين يريدون الإساءة إلى العلاقات مع الدول الصديقة)!!
لذلك وجدنا أن من المفيد أن يطلع الجمهور على الإتفاقيات المعقودة بين الولايات المتحدة ودول الخليج ، لترى حجم التنازلات التي قدمتها هذه الأنظمة لواشنطن في مسيرة العلاقات التبعية، ومقدار التدخل والتغلغل الأمريكي في كل بلد من بلدان مجلس التعاون الخليجي.
هناك معادلة يصعب تفسيرها الا وهي كيف كانت تسيطر الامبراطورية البريطانية التي لاتغيب عنها الشمس على دول الخليج وكيف تخلت من هذه السيطرة لصالح الاستعمار الامريكي ولهذا الامر حكاية طويلة ابتدأت في خمسينات القرن الماضي وانتهت مع بداية القرن الحالي ولا يتبادر لذهن اي منا ان البريطانيون قد تركو المنطقة ولكنهم اثرو الانزواء لصالح المستعمر الجديد وعلى مراحل ويمكن تقسيم مراحل المشروع الامريكي الإمبراطوري وانعكاساته على المنطقة العربية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى ثلاث مراحل:
1 ـ مرحلة الحرب البادرة حتى انهيار الاتحاد السوفييتي انتقلت الولايات المتحدة تدريجياً من الاعتماد على بريطانيا للقيام بدور الشرطي في الوطن العربي إلى لاعب رئيس بعد الانسحاب البريطاني شبه الكامل من المنطقة عام 1971. وتخلل هذه المرحلة تنسيق بريطاني ـ أمريكي ميداني مشترك لمواجهة ما عدّ تهديداً من موسكو بالتمدد إلى المنطقة، واعتمدت فيه واشنطن سياسة الاحتواء والردع، التي طرحها جورج كينان، ومارست استعراض قوتها البحرية في المتوسط عام 1946 لمواجهة الضغوط السوفييتية على تركيا، بالإضافة إلى إقامة قاعدة بحرية دائمة للأسطول الأمريكي في البحرين. وعملت على تشكيل وتشجيع الأحلاف الإقليمية، مثل حلف بغداد (الذي ضم كلاً من تركيا، والعراق، وباكستان، وإيران، بالإضافة إلى بريطانيا)، وسعت كذلك إلى تطويع واحتواء ثورة 23 تموز/يوليو في مصر. ثم انتقلت إلى إطاحة نظام عبد الناصر ومجابهة مشروعه ا ، منذ تدخلها في لبنان عام 1958، وصولاً إلى حرب عام 1967. وخلال تلك الحقبة، ساهمت أيضاً في تدبير إسقاط نظام مصدّق الوطني في إيران عام 1953، وإعادة تشكيل حلف الناتو بعد انسحاب العراق من حلف بغداد عام 1959، وأبرمت اتفاقات ثنائية مع الدول الأعضاء في الحلف، مقرونة بتقديم الدعم العسكري والمادي لها. وجرت محاولات ضم الأردن إلى الحلف، ولكن المعارضة الوطنية الداخلية المتصاعدة أفشلتها. ومع تغير ملامح المشروع الأمريكي في حرب فيتنام، حاول الرئيس الأسبق نيكسون إيجاد مخرج تحت ستار «الفتنمة» (Vietnamization) ، وطوّر مبدأه القائل بتقديم الدعم والعون العسكري إلى حلفاء الولايات المتحدة، وتوفير مظلة الحماية لهم، شرط أن يوفروا القوة البشرية اللازمة لحماية أنظمتهم. وتركز دعم نيكسون في المنطقة بالدرجة الأولى على السعودية وإيران، لصلتهما المباشرة بمخزون النفط، وتحولت السعودية ودول الخليج سريعاً إلى الممول الرئيس لنشاط الولايات المتحدة في الهيمنة على المنطقة، فأوكل إلى إيران الشاه تولي مهمة شرطي الخليج. وشكّل الغزو السوفيتي لأفغانستان ونجاح الثورة الإيرانية بقيادة الامام الخميني محطة أساسية في تعديل عناصر المشروع الأمريكي، خاصة بعد نشوب أزمة احتجاز الرهائن الأمريكيين في السفارة الأمريكية في طهران.
وأعلن الرئيس كارتر في عام 1980مبدأ مفاده «إن أية محاولة من قوة خارجية للسيطرة على منطقة الخليج ستعدّ اعتداءً على المصالح الحيوية للولايات المتحدة، وستجابه بكل الوسائل المتاحة، بما فيها القوة العسكرية». وتم آنذاك تشكيل قوات التدخل السريع التي تحولت في ما بعد إلى القيادة المركزية (أو الوسطى) لتشمل منطقةُ عملياتها مساحة جغرافية تمتد من باكستان إلى مصر. واستطاع كارتر أن يبرم بين مصر والكيان الصهيوني اتفاقيات كامب ديفيد، التي أخرجت مصر من دائرة الصراع العربي ـ الصهيوني. وشجعت واشنطن نظام المقبور صدام على مجابهة النظام الثوري الجديد في طهران ، فكانت الحرب العراقية ـ الإيرانية التي استنزفت مقدرات البلدين البشرية والاقتصادية وأضعفتهما. كما أن واشنطن أسهمت في إبعاد العراق عن لعب دور العمق الاستراتيجي لدعم دول المواجهة مع الكيان الصهيوني، وخاصة سورية. وشكّلت الحرب العراقية ـ الإيرانية، التي امتدت ثماني سنوات، أحد الحوافز الأساسية لاستدراج حماقة صدام إلى اجتياح الكويت للتعويض عن خسائره المادية البالغة في الحرب مع إيران، ولمواجهة حالة الحصار والتطويق التي عادت الولايات المتحدة إلى ممارستها على العراق للحيلولة دون تمكينه من إعادة البناء إلى قوة إقليمية وازنة.
وشكّلت مغامرة اجتياح النظام العراقي للكويت والرد الأمريكي بالتدخل السريع لإخراج القوات العراقية، مؤشراً إلى ترسيخ مفهوم نهاية الحرب الباردة، وعلامة فارقة على انحسار النفوذ السوفيتي الذي عجز عن القيام بدور في لجم الاندفاع الأمريكي، أو إيجاد مخرج للعراق يحفظ له هامشاً للمناورة، أو يثبت للاتحاد السوفيتي دوراً في حماية نفوذه مع حلفائه في الوطن العربي. وبذلك تكون حرب الخليج الثانية، أو ما أطلق عليها حرب «تحرير الكويت»، الإعلان الأوضح لانتهاء حقبة الحرب الباردة والدخول في مرحلة زعامة القطب الأمريكي المتفرد للنظام الدولي (يعدّ بعض المراقبين أن سقوط جدار برلين شكّل محطة فاصلة لنهاية تلك المرحلة).
في المجمل، يمكن توصيف مرحلة الحرب الباردة بأنها مرحلة اعتماد المشروع الأمريكي بصورة أساسية على أدوار وظيفية مرسومة للدول الإقليمية، وخاصة الكيان الصهيوني ونظام الشاه حتى انهياره وأنظمة التبعية الرسمية العربية المرتهنة للمعونة الأمريكية. وفي الوقت نفسه، عززت واشنطن انتشارها العسكري عبر إقامة قواعد، والحصول على تسهيلات مختلفة على امتداد الوطن العربي، وخاصة في منطقة الخليج، وصولاً إلى تدخلها العسكري المباشر في حرب «تحرير الكويت».

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى