السيولة التعبيرية في أعمال اللبنانية هناء عبد الخالق

محمد البندوري..
تشكل التقنيات العالية في أعمال الفنانة هناء عبد الخالق مرتكزا أساسيا لتجسيد أعمال انطباعية وتعبيرية، بتوظيف مختلف المفردات التشكيلية، إذ تعتبر الفنانة إحدى الفنانات المثقفات والمتمرسات، فكونها دكتورة في الفن وعلوم الفن من المعهد العالي للدكتوراه في الجامعة اللبنانية؛ فإنها تخصب تجربتها التشكيلية علميا ومعرفيا، لتتفاعل مع أبرز المكونات الحيوية في الثقافة التشكيلية العالمية، فما تفتأ تتصل بالمادة التشكيلية عن طريق الانطباع والتعبير، بأسلوب يمنح مقوماته من الثقافة الفنية ومن الأسس الجمالية المحلية.
فهي تشكل مختلف الشخوصات والأشكال التعبيرية، وفق مسالك يحكمها الانطباع والوقائع المستمدة من السيميولوجية المحلية؛ فتطلق سراح الألوان بسيولة وانسيابية للتدليل عن أهمية المضامين. كما تجعل من الأشكال والشخوصات مادة أساسية للتعبير بحرية وتلقائية عن الواقع، وما يحمله من وقائع متنوعة. فتُسخر عددا من الأشكال والألوان والعلامات، فضلا عن التقويسات والدوائر، وأنصاف الدوائر، التي تشير في عمقها إلى دلالات عميقة المعنى، لتُحول ذلك إلى تشكيل علامات أيقونية دالة على مناحي تعبيرية تكشف عن عدد من التفاعليات، بين المادة التشكيلية ومختلف المضامين التي تشتغل عليها.
وبذلك، فإن القوة التعبيرية لديها تتجه نحو التجديد وفسح المجال للتأمل والتعدد القرائي، باعتبار أن الانطباع هو إحساس وإدراك فني لماهية الأشياء، حيث إن التأثير يحمل تعبيرا عن الإحساس بما تحمله المبدعة من أحداث، الشيء الذي تبدو أعمالها فيه أقرب إلى الواقع على عدة مستويات، ما يمكّنها من رصد توجهات فنية متعددة المناحي والمرامي. فالتأمل هو وقوف أمام الواقع، بما يتيحه لها من تفاعل مع حركاته حينا وسكناته حينا آخر، وهو ما تترجمه أعمالها، وما ينطق به شعورها من خلال التوظيف الأمثل لأشكال وشخوصات تعبيرية يلفها الانطباع بطبقات لونية متفاوتة، وبأشكال وعلامات ورموز متنوعة، تُجهز على المساحة وتسد كل منافذ الفضاء، وتحجز لبعض الألوان حيزا مختلفا.
إنه توظيف يتطلب تقنيات عالية لصياغة البؤر الانطباعية بتنوع عميق المناحي التشكيلية، لتصل بالعمل الفني الى نقطة الإبداع، باستناد قوي إلى التقنيات العالية، ومقاربتها بالغرض الفني الذي تريد الوصول إليه، عبر إيقاع ينسجم مع تصوراتها وأفكارها، ويتلاءم مع المادة التشكيلية التعبيرية التي تروم الجديد، وتتفاعل مع مستجدات الفن التشكيلي الآني. وهي تُحدث ذلك بانسيابية وانطباعية، تنم عن بلاغة فنية، وعن ركام معرفي وعلمي، وعن ثقافة موسوعية في التشكيل، ولا غرو في ذلك، فهي التي ألفت كُتبا في الفن التشكيلي وأقامت معارض فردية وجماعية، وقدمت مشهدا تشكيليا بتوجهات فنية معلنة للقراء، عبر الرؤية البصرية. وهي ـ وإن كانت كذلك ـ فإنها في الآن نفسه تبدي قدرتها الإبداعية ومرونتها في التفاعل مع هذا النمط التعبيري الخصب، وهو ما يفضي إلى ما تحمله تجربتها العلمية والفنية من تطور في هذا المجال الإبداعي .



