«التلبيديّة» العودة إلى الذات والبحث عن يقين

المراقب العراقي/ متابعة…
نشأت «التلبيدية» في إنكلترا عام 1999، وهي مجموعة فنية أسسها تشارلز طومسون وبيلي تشيلدش، مع أحد عشر فناناً آخرين. أما اسم الحركة فقد اشتقه طومسون من إهانة وجهتها له صديقة تشليدش الفنانة تريسي إيمن، حين وصفت لوحاته بأنها «ملبدة، ملبدة، ملبدة، لا شيء فيها سوى الرسم». قاصدة أن صديقها ما زال يرسم على القماش بالفرشاة والألوان، ولم يوظف الفيديو أو التجهيزات، أو الأداء على الطريقة المعهودة في فن ما بعد الحداثة. (أنظر معن الطائي وأماني أبو رحمة. الفضاءات القادمة الطريق إليّ بعد ما بعد الحداثة، أروقة للدراسات والترجمة، القاهرة،2011). فهو لم يزل (عالق) في ما مضى. ومن هنا جاءت الفكرة بإنشاء الحركة للاعتراض والمطالبة بالعودة لفن الحداثة وما قبله ورسم الموضوعات والأشخاص عوضاً عما يفعله الفنانون المفاهيميون ـ ما بعد الحداثيين ـ الذين أخفوا معالم الفن حسب رأي طومسون.
أصدر المؤسسون بيانهم الأول في العام نفسه من تدشين حركتهم، والذي انتقدوا فيه بشدة فنون ما بعد الحداثة والمفاهيمية، خاصة التوجه الجديد للتخلص من اللوحة في الفنون. مؤكدين على أهمية الفرشاة واللون للتعبير الإنساني الصادق للمشاعر والخبرات، وتضمن البيان 20 بنداً، يمكن اختصارها في بعض السمات الأساسية.. فقد وصلت ما بعد الحداثة، في محاولاتها البلهاء المراهقة لتقليد مهارة وحرفية وبراعة الفن الحداثي، إلى طريق مسدود. وما كان في يوم من الأيام محرضاً ومثيرا واستكشافيا، كالدادائية مثلاً، غدا بفضل ما بعد الحداثة وسيلة بارعة للاستغلال التجاري. ولذلك تدعو التلبيدية إلى فن حي على أصعدة الخبرة الإنسانية كافة. وتتوق إلى توصيل أفكارها من خلال توظيف الأصباغ البدائية، وإلى اختبار نفسها بوصفها ليست براعة أو حرفة على الإطلاق.
فاللوحة ما هي إلا وسيلة لاكتشاف الذات، والفنان الذي لا يرسم، ليس فناناً، فالفنان المقصود ليس مهنياً، بل هو هاو محب للفن. إنه يخاطر بالرسم. وإذا كان هاجس الفنان المفاهيمي هو الحرفية والمهارة ودقة الصنعة فإن الفنان الملبد هو أن يكون مخطئا على الدوام.
ونستطيع أن نستنتج من هذا البيان أن الحركة في مُجملها ضد ممارسات ما بعد الحداثة في الفن، بداية من القيمة الاستهلاكية لفن ما بعد الحداثة، التي حوّلت العمل الفني إلى (سلعة) وقبل ذلك حوّلت الفنان نفسه إلى سلعة في سوق كبير، فكان الارتداد إلى حداثة واعية في شكل جديد تعتمد اللوحة التقليدية والروح الفنية، بعيداً عن ترهات ما بعد الحداثة ورُعاتها من مستهلكي الفن.



