ثقافية

نهاية «فن السينما» وبداية سينما التقنية!

عزيز الحدادي..

«بما أن التقنية تمحي الفن، والمونتاج هو المحو نفسه، فإن السينما أصبحت مهددة بالنهاية بشهادة الفلسفة». كل رؤية للأشياء، لا يمكن أن تكون إلا رؤية لجيل بكامله، ولعل رؤية الإنسانية، لا يمكن أن تختلف باختلاف الأمكنة، فالفيلم يشاهد في الوجود بالطريقة نفسها التي يسمع بها نغم الموسيقى، وجمالية اللوحة، إنه استطاع أن يبدع صوره، ويخلق منها القديسين ويجبرها على أن تكون جميلة ومحركة للابتهاج الإنساني، خاصة أن الفيلم لا يبحث عن اللغة السينمائية المعقدة التي تختفي وراء الفيلسوف. فعبقرية السينما خاصة بها تستثمرها في نشر المعرفة بالعالم، وتدعو الناس إلى تجاوز حدود وعيهم، بممارسة رياضة روحية، بل القيام بإصلاح أخطاء الروح، من خلال فتح المصالحة مع جمالية الفن وشاعرية الصورة، على الرغم من أنها تعتمد على إتوبيا حديثة، مع أن أنشتاين مثلا أضحى موضوع فكر السينما راهنيا في اليومي .

الواقع أن بعض النقاد اعتبروا السينما مجرد آلة تحتقر المسرح، الذي توقف عن الكلام أمام عنفها التجاري، لكن الحكمة تقول، إنها آلة عجيبة تتحكم في الزمان والمكان، كالمسرح والحياة اليومية، ولعل هذا بالذات ما سيجعلها تنجو من الهدم الهايدغري للتقنية، التي مزقت كينونة الإنسان. فالعمل السينمائي يتخذ أصالته من قدرته على تحريك الصورة في المكان بقوة الزمان، إنها وفرت دعما للنظرية الفيزيائية عن النسبية، كما تركها أنشتاين، وطورها المخرج إزنشتاين .

ففي هذا التفاعل بين التقنية والعلم، والتقنية والفن، يمكن صياغة إشكالية فلسفة السينما، وإذا كنا قد تعمدنا الانطلاق من موقف بعض الفلاسفة من تلك الأفلام التي شاهدوها، ورسمت في أعماقهم ذكريات جميلة، فإن هدفنا كان هو دفع الفلسفة إلى اختراع نفسها من جديد في عالم السينما، إذ ينبغي على آراء الفلسفة، وأسئلتها أن تصبح مرئية على شكل صور شاعرية تحقق إستطيقا الذات، بلغة نيتشويه .

لم يستطع هايدغر هدم التقنية، على الرغم من الأدلة البرهانية التي قدمها بصدد خطورة التقنية على الإنسان، لأنها بقدر ما تدعي إسعاده، بقدر ما تسعى إلى تدمير العالم الذي يعيش فيه، النووية لأكبر حجة على ذلك، بيد أن عدم قدرة هايدغر، لا يمكن اعتبارها فشلا لفيلسوف الوجود والزمان، في مواجهة التقنية التي تفتقد إلى ملكة الفكر، بل اصطدامه بالسينما التي تبدع بالتقنية وتحتمي وراء الفن وفلسفة الجمال، وبلغة الفلاسفة إنها تقنية بالعرض فنية بالذات، أو بالأحرى فنية بالماهية، تقنية بالظاهر. وبما أن هايدغر في محاضرته عن أصل العمل الفني يتساءل عن حقيقة العمل الفني، انطلاقا من الفنان، الذي يضع الحقيقة في العمل الفني: «هل ينبغي أن نعبث حين نقول: الفن هو وضع الحقيقة نفسها في العمل الفني، وليس تقليدا للواقع». هكذا يترك هايدغر العمل الفني يحدثه عن الحقيقة، خاصة أن الفيلسوف مطالب بتلبية نداء الحقيقة، إذا كان يرغب في السكن بجوار الوجود، ويتمتع بالسعادة، لأن من يريد أن يكون سعيدا لا بد له أن يتفلسف، ذلك أن الفلسفة تمس الإنسان في صميم ماهيته، لأنها لا تتناول بالبحث إلا ما يمس ماهيته .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى