ثقافية

كاظم الحجاج.. سادن النهرين

هيثم جبار..

الجنوبي الذي احتضن الشط , جذبته دجلة والفرات  ليكون شاعر النهرين , من ريف الهوير انحدر الحجاج  كاظم ايقاعاته البصرية , ليخبرنا عن حديث شهريار , وعن شي لا يشبه الاشياء , كجدارية النهرين مثلا , او نشيد العراق , او الكابوس الذي كان فيه الشاعر جزارا , وكان خروفه يبكي ولكن  ايخجل من دموع خروفه الجزار .  كان يعد الشاي بالاغصان ليلا ويخشى ان يكسر اخوته الاغصان .

لذلك ترى الشاعر يصلى على ما تبقى من عطر بصرته واريجها , يصلي على جسور نظران والشناشيل , وسوق الهنود , وقصر النقيب , على النهر المبلط بالقار والطابوق , على مائه العذب على نهر العشار وساعة سورين . 

البصري الذي يرعى غزالة الصبا , في مروج الشعر , يطفي قصائده الموقدة حين ينام , ويذوب مثل قطع السكر في اقداح الشاي , فهو الذي لا يحب القيود حتى للدمع فالدمعة عنده ماء مسجون , هل رأيتم شاعرا يبكي بنهرين من عينيه ، عين تبكي دجلة وعين تبكي الفرات ، رسوله الحسناء المبشرة علمنا درسا في الرفض وضرب لنا مثلا بالكرسي , يخاطب العمر ان يقف مرة بوجه السنين ويحافظ على وريقات وجهه المتناثرة من شجرة الحياة .الرصاصات الطائشة بريئة بل مرغمة على الاطلاق , والرصاصات الخبيثة هي من تصنع امجاد الحروب .

الجنوبي سادن النهرين الذي خرج ساخنا مثل خبز الارياف , ها هو اليوم لائقا ومتوجا بالقصائد , له دمعتان الاولى للحسين والثانية للمسيح فكلاهما غُدرا , حين تغادر الطيور اعشاشها , حين يهرع العمال الى المصانع , تفتح الفتاة عينيها وتتثاءب في وجه الكون ولكنها لن ترى فجرا جديدا , فمازالت شجرة الاقزام تخدش راس الشاعر , ومازال الرجل الشرس يهدد المراة الحامل ان انجبت طفلة , وكأن آدم وحواء لم ينجبوا في الشرق رجالا ونساءً , بل انجبوا ذكورا واناثا .

هكذا هي قصائد كاظم الحجاج , كائنات حية , كالبرتقالات الناضجات  , مثل الفتيات المراهقات ’ وكلاهما يصفر وجهيهما البرتقالة والفتاة كلما قرب الغرام او القطاف , حتى افراحه تتكسر وتتشظى كالمرايا , اما الهزائم منقوشة على الخوذ  , لا يشعر بها غير امهات الجنود بدموعهن , حين يقتل جندي في ارض غريبة تنزل دمعة امه وهي في بيتها , دموع الامهات كامرات مراقبة يلتقطن صورا من المعركة .

في الحرب القاتل والمقتول يدعي النصر , الكل يرمي بالهزيمة  لعدوه , لكن الحق ان قلوب الامهات هي التي هُزمت , حين تنظر الام الى كرسي ابنها الفارغ , اناءه المكسور , مكتبة التي عشعش عليها الغبار , ملابسه المعلقة , كل شي في البيت يوحي بالهزيمة .

نحن تماثيل لا دور لنا في مسلسل هذي الحياة , يحركنا المخرج المغرور كبيادق الشطرنج كيف يشاء , وما ان يتحرك في دواخلنا الانسان يفسد دور التمثيل .

ومثل طفل عاشق لفتاة خضراء العينين يقف الحجاج بشموخه مرتبكا , في مساء داخلي وسيناريوا لزجاجة خمر ونصف تفاحة , هناك في الظلام هلال بعيد , فجأة يبرق خنجر يخرق ثوب السماء فينزف منها النبيذ  على يد شاعر لدغه عقرب الساعة الواحدة والنصف ليلا .

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى