ثقافية

رعد زامل .. يؤرشف الخراب النفسي للإنسان من خلال مرآة الذات المكسورة

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…

يرى الناقد يوسف عبود جويعد ان الاعمال الشعرية للشاعر رعد زامل تؤرشف الخراب النفسي للانسان من خلال مرآة الذات المكسورة .

وقال جويعد في دراسة نقدية خص بها (المراقب العراقي): من خلال مرورنا على تجربة الشاعر رعد زامل في الأعمال الشعرية (1999 – 2019 ) والصادرة من دار سطور لعام 2020 في طبعتها الأولى، سنقف على تجربته الشعرية للفترة المذكورة، والتي ضمت مجموعة من النصوص الشعرية النثرية وهي الصفة الغالبة في هذه الأعمال، مع بعض النصوص الشعرية العمودية المطعمة بالنثر، وهي حالة جديدة عمد الشاعر ضمها مع أعماله الشعرية.

وأضاف: وعند دخولنا إلى عالمه الشعري، وكيفية صناعة القصيدة الشعرية، نكتشف امتلاكه المفردة الشعرية المنتقاة والقادرة على تقديم الرؤية الفنية التي يريدها الشاعر، وهي ذات انزياحية معبرة ودقيقة وقادرة على الغوص في أعماق الروح، لتزيح الرماد الذي يحول بينها وبين انطلاقها، فتندفع محلقة إلى فضاء النص الشعري، بمدلولاتها واستعاراتها الصورية، وإيقاعها، وانسيابيتها الصافية، فالشاعر يمتلك أكثر من خيط وأكثر من مسار، وأكثر من رؤيا، كما غلبت عليها المؤثرات الحياتية التي حدثت خلال تجربته خلال مسيرة حياته، مثل الحروب، العلاقات الإنسانية التي تدنت وضاعت ملامحها، ولم تعد كما كانت أيام زمان، فقده لأمه وأبيه، إحساسه بالفراغ المقيت،إحساسه بالفقر،إحساسه بالضياع.

وأشار الى إحساس الشاعر بسوء العلاقة سواءً كانت أسرية أو اجتماعية، إحساسه بالظلم الكبير على الشاعر، وتفاعلات كثيرة ومتنوعة انسجمت واتحدت وانصهرت لتكون كتلة واحدة لتكوين وتشكيل القصيدة الشعرية لديه، وعملية الانسجام تماهت تماماً مع وحدة موضوع القصيدة وثيمتها ومفرداتها الانزياحية، وصورها المعبرة، ودلالاتها ورموزها، ومن هنا نكتشف أن القصيدة الشعرية مجموعة عوامل وأدوات وعناصر تتفاعل من أجل الوصول للنضج الفني المطلوب، الذي ينعكس بشكل طبيعي على مضمون القصيدة الشعرية وشكلها وإيقاعها، لكي يظهر بعدها هذا الصوت الذي يخرج وكأنه قادم من عالم خيالي ساحر حالم مع شيء من الأسى والندم لما خلفتها الحروب من تداعيات أضرت بأبناء البلد، وجعلت روح الشاعر تغوص أكثر من أجل صناعة قصيدة تستحق الاهتمام.

وأستطرد: منذ الوهلة الأولى لهذه الأعمال الشعرية، ومن العتبة النصية للدخول لهذه الأعمال الشعرية، سنجد أن الشاعر سيكون معنا في رحلتنا هذه، إذ سنكتشف أن هذا المستهل هو قصيدة بلا عنوان، دونها الشاعر باسمه، لتكون مدخلاً لتلك النصوص الشعرية، إذ يقول فيها:

في كل حرب

تحت ظلال الصمت

يغيب وجهُ أبي

وفي كل صمت

بغابة التجاعيد

يتلاشى

وجهُ أمي

وهكذا نكتشف ومن خلال هذا المدخل بعض ما أشرنا إليه سابقاً، وتتضح رؤاه الفنية وأسلوبه في بناء القصيدة، التي تعتمد على المفردة المعبرة، لتكتمل لنا الصورة تدريجياً وفي قصيدة (فصل في المرايا) نوغل أكثر مع الشاعر الذي التصق بهذا النص، وهو يعكس ما تداخل من تلك العناصر والمؤثرات ليحيلها إلى قصيدة ملتهبة ضاجة بالمعاني والأفكار والحس الشعري المتأثر، كما نلاحظ مدى اهتمامه وعنايته بالقصيدة التي نراها كتلة واحدة متصلة متحدة متناسقة وفي رؤية فنية مختزلة ومكثفة يضعنا الشاعر في مفارقة غاية في الغرابة، وهذا ما سوف نكتشفه في القصيدة القصيرة (غيوم متفرقة):

إنها تمطر قبعات

فتسقط على

رؤوس الفقراء

إنها تمطر قمحاً

فيسقط على جياع أفريقيا

إنها تمطر خمرا

فتترنح الأشجار

في أوربا

إنها تمطر تمرا

فيسقط في الصحراء

انهال تمطر رصاصاً

فيسقط على رؤوسنا !!!

وأكمل :في قصيدة (حوار بلغة السكين) يضعنا الشاعر مع هول الحياة التي نعيشها، وعيون المتربصين تملأ المكان، ورغم الخوف والفقر، والبراءة، إلا أن التهم تتوجه نحوك دون مبرر، ورغم الصمت إلا أن سراق الحرية يملؤون فضاء حياتك بالكلام، ويحاسبونك حتى على الأحلام التي كنت تحلمها، وتلك التهم تنزل بهذا الحوار كقواطع السكين، لذا جاءت بنية هذه القصيدة متصلة مع متن النص الشعري ومكملة لمضمون الثيمة، وجاءت الصورة الشعرية التي احتواها المتن معبرة بشكل واضح عن حياة المسكنة والفقر والخوف الذي كان يلف ضياء نهارنا وسواد ليلنا، ليغلفنا بالوحشة والغربة والضياع

وبين :في قصيدة (بطاقة تعريف) يقدم لنا الشاعر رؤيته التي تتعلق بالحرب، وما سببت لنا من خراب، وضرر، تغلغل ليشمل كل حياتنا،فهو يضعنا مع وجع الحرب وتداعياتها بعد أن تنتهي، كونها تبقى شاخصة في عقولنا وفي ذاكرتنا، ولا يمكن أن ننساها، فهي سبب كل الخراب، وسبب كل البلاء، وتظل تطوف بشبحها المرعب، وتدور في أروقة أيامنا التي نعيشها، وتشاركنا همومنا، ويقض مضجعنا.

وأوضح : وهكذا يتضح لنا أن القصيدة بتفاعلاتها وأدواتها وعناصرها المستخدمة، وقدرة الشاعر على توظيف تلك التفاعلات وجعلها وحدة القصيدة وموضوعها، وهكذا يتسامى الشاعر بالحس الشعري نحو السمو والتحليق والارتفاع في قصيدة (جمرة النسيان) التي تعكس واقع حال الشاعر وما يمر به، وتلك المؤثرات التي وظفت بمفردات شعرية غاية في التقنية

وختم :ضمت هذه الأعمال الشعرية ثماني وخمسين قصيدة، وهي تمثل الكتابات الشعرية للشاعر رعد زامل للفترة من (1999 – 2019 )، وقد اخترنا بعض من النماذج الشعرية داخل هذه الإضمامة الشعرية، لنكتشف خلالها الأسلوب الشعري الذي تناوله الشاعر، وهي قصائد دخلت فيها المفردة العصرية الحديثة رغم انزياحاتها كونها ضمت مفردات حديثة، وكذلك لفت انتباهنا أيضاً وضوح المفردة الشعرية رغم ما تحمل من دلالات رمزية وصور استعارية، ليتأثر بها القارئ وينسحب معها إلى العالم الشعري للشاعر رعد زامل.

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى