هذا إن نسيت ..
كريم جبار الناصري ..
بعد إن حمت مواجهات الحرب وجرى الدم كالأنهر وتبعثرت أشلاء الأجساد ..تشتت ذهنه ، عامت أفكاره في لجة هذيان غير متناه ، يركض غير مبال للرصاص النازل كالمطر ، يصرخ كالمجنون ..
– لا .لا ..لاأريد أن أموت …
لا يعرف أين يتجه فكل الأماكن مجهولة حين هرب من ساحة المعركة… يركض ، يختبأ ، ينام ، يهمس ، يبكي ، يضحك.. أخذته الأيام بعيدا عن أهله …
هام في شوارع المدن مسه شيء من جنون الحرب ، يلعن ويلاتها ، يكتب ما يوحى له ذهنه من كلمات ، يتمتم بها دوما ، يدونها في وريقات يحملها بعد أن يجلس في زاوية شارع مختليا بذاته أو متكئا على شجرة في متنزه يطالع كتابا فهو الذي يهوى القراءة ، تسترجع ذاكرته لحظات الحرب وهو يحمل رفيقه الذي يئن من جراحاته في حرب ضروس أكلت الأخضر واليابس ..
يدون في وريقاته : ها هو المصير يأتي ألينا طوعا قدرنا محتوم..
تنتهي الأمنيات عنده حين يخترق الرصاص الجسد .. ينهض ، يركض ، يفتش جيوبه عن نقد ليشتري زجاجة أخرى .. يستذكر دينا له عند أحدهم قد طرده بسبب عدم انتباهه ومداومته على القراءة في وقت العمل ، طلب الدين ، يرفض الآخر ، يأخذ حقه عنوة تاركا الرجل مدمي الوجه ..
يبحر بذاكرة ولادة طفله وهو يحنو عليه ، يقبله وبعدها أبعدته أيام الحرب.. قالوا عنه مات ، قالوا فقد ، قالوا أسر .. تبتعد الزوجة عن البيت تألف حياة أخرى …
..يطرق أبوابا شتى ، يتسول رمقه ، يقترب من منزل ، يرى طفلا بعمر ولده فقد قارب فراقه الأربع سنين ، يقترب منه ، يهزه الحنين ، يمسك الطفل ، يضمه الى صدره
– كم أشتاق لك يا ولدي..
يستغرب الطفل من هذا السلوك ، تنظر أم الطفل ، تصرخ
– ماذا دهاك يا رجل أترك ولدي ..
– أنه ولدك…، يصمت ، ترتخي عضلاته يسود الحزن عليه يبكي بحرقة
– وأين ولدي ..
تتركه المرأة أمام هذا التساؤل حيرى … هو ، يصمت أمام هذا الجمع الذي لا يعرف قصته …
يتمتم :
موجة تأخذنا بعيدا
تجرف أحلامنا
تسقطنا في الفخ
نستغيث .. نصرخ .. نتوه في الطرقات
نبحث عن مأوى نلوذ به
نبحث عن حنين زوجة .. حب طفل ..
في تجواله اليومي يطرق بابا ليحصل على رمقه ..تنادي امرأة
– من الطارق ..
– هذا أنا …
تستدرك المرأة بفتح الباب لسماع هذا الصوت تهمس – أيعقل انه صوت زوجي ؟
يسألها دون النظر أليها
– ممكن قطعة خبز أو نقود ..
– آه أهذا أنت .. ؟
يرفع رأسه ، تسقط دموعه مدرارا كسيل جارف على كل ما مضى من حياته ..
– نعم هذا أنا
– أين ولدي… ..نعم ولدي ..
– ظنناك مت أو فقدت
.. يتمم
– مت في محنة الدمار الروحي للإنسان
– ستعود لنا
– سأعود وخلفي بقايا آهات وأنين رفاق الوطن ..سأعود حاملا خساراتي لسنين عجاف ..سأعود ناسيا ما حل بي.. هذا إن نسيت .



