“من النهر إلى البحر”.. شهادة شعرية فلسطينية حيّة من قلب المذبحة

في ديوانه الجديد “من النهر إلى البحر”، الصادر باللغتين العربيّة والفرنسيّة عن دار لانسكين في باريس يجمع الشاعر الفلسطيني سامر أبو هوّاش في شِعره بين البساطة والعمق، ويستمدّ صوته من المنفى وتجلياته. تنقّل بين المخيمات والمدن، حاملاً هويةً مضرجّة بالشتات، ومتجذّرة في الذاكرة الفلسطينية النازفة. إلى جانب تجربته الشِعرية المتفرّدة، انشغل بالترجمة، فنقل عشرات الأصوات الشِعريّة من الإنجليزية إلى العربية، لكنّ شغفه الأساسي ظلّ معقوداً على الشِعر، وسؤال الوجود، ومحاولة الإمساك بجوهر الألم الفلسطيني.
يُقدِّم سامر أبو هوّاش شهادة حيّة كُتبت من قلب المذبحة، تنبض في صلب الحدث، وتشارك الجرح الفلسطيني بكل ما فيه من جسد وعاطفة وروح، حاملةً ما يعجز عنه الخبر العاجل، وما تضيق به نشرات الأخبار.
يمضي الشاعر في تأريخ الحرب شعرياً، ويجعل من قصيدته فعلاً احتجاجياً على محو الحياة، وصوتاً في وجه الصمت، ومحاولةً لمواجهة النسيان بالكلمات، في زمنٍ تتراكم فيه الجثث وتتفكك الذاكرة.
منذ القصيدة الأولى “الأنقاض”، يبدو الشاعر جزءاً من المأساة، يعيش تفاصيلها ويكتب منها مباشرةً، حيثُ يخوض التجربة بجسده وروحه، ويتقدّم مع الضحايا نحو المصير ذاته، شاهداً ومشتبكاً مع الألم حتى أقصى حدوده. يستدعي صورة طفلة تمد يدها من تحت الأنقاض، في مشهد مختزلٍ يختصر حجم الكارثة: “ثمّة طفلة/ مازالت يدها بارزة/ من بين الشقوق/ وقلبها/ مازال يرتعش/ تحت التراب”.
في هذا السياق، تتحوّل القصيدة إلى نوع من التوثيق المضاد، عبر كشف الجريمة بكل قسوتها، وإيقاظ الوعي بالصورة الصادمة التي تهدف إلى المواجهة لا إلى إثارة التعاطف فقط.
يصوغ سامر أبو هواش شِعريةً من الجرح المفتوح، من رفات الأطفال، من الذاكرة التي تشتعل تحت الركام، كما في قصائد مثل “أهلي”، “الصرخة”، و”الدويّ”. وتتميّز قصائده ببنية جمالية تقوم على البساطة المكثّفة، والإيقاع الداخلي المتوتر، حيثُ تقترب اللغةُ من البوح الصامت بقدر ما تفيض بالدم والمشاعر. يبتعد عن الشكل الكلاسيكي للقصيدة، ويكتب بنَفَسٍ حرّ ينهمر كالماء من بين التشققات، بينما تتشكل الموسيقى من تتابع الصور، وتكرار الأفعال، وانفجار الجمل القصيرة.



