“قرار أخرس” قصص اجتماعية عن واقع المرأة العربية المسلوبة الإرادة في بلدانها

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…
يرى الناقد والروائي علي لفتة سعيد ان مجموعة “قرار أخرس” للقاصة التونسية حبيبة محرزي هي قصص اجتماعية عن واقع المرأة العربية المسلوبة الإرادة في بلدانها.
وقال سعيد في قراءة نقدية خص بها (المراقب العراقي)في النصوص التي تكبتها المرأة عن المرأة تشعر إن هناك عالمًا مخفيًا يمكن ان تراه أو تشعر به على الأقل وهو الأمر الذي يجعلنا نقول إن الكثير من كتابات المرأة عن الحياة يكون بطلها رجل هي أقل إبداعا، أو إنها تتحدث عن الخارج دون الغوص في الحالة النفسية أو الدواخل، مما ينعكس على عدم الترقّب لما سيأتي أو لمس ما هو مخفي، ورغم أن ما نقوله ليس شيئا قارًا أو أنه رأي عام ولكن النسبة الأعم يقع تحت هذا التوصيف.
وأضاف :إن مجموعة (قرار أخرس) للقاصة التونسية حبيبة محرزي أرادت ليس عملية الدفاع عن المرأة أو الانتصار لها، بل أرادتها قصصًا تبحث عن جوّانيات الشخوص وتقشير الحالات التي تحتاج الى عمليات إماطة الأثر وما تراكم عليها، لكي تكون أكثر قربًا ومشاهدة من قبل المتلقّي. هذه المجموعة التي يبدو عنوانها وكأنه محاولة استنطاق صارخة.. فرغم ان العنوان العام هو عنوان لقصّة من القصص والذي اختارته بعناية ليكون محورًا وشاملا ومستوعبا للعبتها القصصية بأفكارها مرّة وطريقة سردها مرّة أخرى، وهو ما جعل العنوان يكون إطارا عاما للقصص الكلية رغم ان الامر في الزمن الراهن صار العنوان في القصص والشعر لا يعتمد على نصّ محدّد بقدر ما يكون جامعا لها، خاصة تلك المجاميع التي تمشي على سكّة حديدٍ واحدة، أو تتناول جانبًا محدّدًا من جوانب الحياة، ولكن على عدّة مرايا. فالقرار الذي يتّخذ يحتاج الى إعلان، والإعلان يحتاج الى صوت والصوت يحتاج الى جرأةـ ولهذا فإن اللعبة بدأت من العنوان الكلي ليتوزّع الى العناوين الفرعية، ليتبيّن لها معاناة المرأة حتى في قرارها الذي سيكون أخرسَا، وهو الفعل الأول للمستوى التأويلي في لعبة ممارسة المستويات السردية في هذه المجموعة كبنية كتابية لا تبتعد عن تنوّع الحكايات في القصص كعمودٍ فقري للعبة التدوينية.
وتابع : فهي أيّ القاصة هنا اهتمّت كثيرًا بالدخول الى عالم المرأة ومعاناتها حتى لو كانت الشخصية التي تقود الحدث والحكاية هو رجل.. وكذلك محاولة فرش هذه المعاناة أمام المتلقي، ولهذا فإن اللعبة تبدأ من عنوان القصة التي يرتبط ارتباطا وثيقًا بالحكاية، رغم إنها تريد له الارتباط بطريقة السرد للوصول الى المستوى القصدي.. ويمكن ملامسة الأمر من خلال المستوى الإخباري الذي يعب لعبته التدوينية، لذا يكون الارتكاز على قوّة الفعل الذي يرسم الجملة القصصية في أغلب القصص التي تبدا بفعل الإخبار من خلال المستوى التصويري لتنتقل مباشرةً الى الفعل القائم على المستوى الإخباري.. أي انها تخبر المتلقّي بما حصل ومن ثم تقوم بالدخول الى المستوى التحليلي حتي تصل الى ذروة الانفعال في تفعيل الصراع والفعل الدرامي للفكرة.
واستطرد : هناك تصاعد للحدث وهناك تقشير للمعاناة وهناك إخبار عن مدلول القصد، وبالتالي فان الأفكار تتجمع لأنها تريد توصيل فكرتها عبر عملية قفز الفعل المتناوب والمختلف.. فالفعل هنا لا يعني أن جملها فعلية بقدر ما هو فعل متناوب يأخذ دور الراوي أو الأصح الراوية المنيب عن الساردة.. بمعنى إن اللعبة تنتقل ما بين الفعل كقوّة سرد، والإخبار كلعبة قص، والتصوير كلعبة سرد(قاعة الانتظار مكتظَّة.. الجوّ خانق.. أرقب باب غرفة العمليات.. أشعر باختناق.. أغادر القاع ة، لم تعد تسعني، أذرع الرواق جيئة وذهابا.. باب غرفة العمليَّات يرمقني، يتشفَّى فيَّ، يرفض التحرُّك.. العملية) من قصة ( شرف ).
واشار الى إن هذه اللعبة جعلت المتن السردي في القصص يتفاعل مع الصورة المرسومة في الذهن، كأنها تنقل المستوى التصويري الى المستوى السينمائي، فهي تبحث عن تفاعل الصراع وبالتالي تفاعل العنصر الدرامي، والانتقال في لعبتها بين المستويات التي ذكرناها تؤدّي بها الى مختالة السرد بطريقة من تريد للمتلقيّ أن يبقى معها.. فهي لا تأخذ الحكاية وتترك السرد، ولا تريد للغة وفعلها أن يكون هو المسيطر. فالقصة تحمل مكوّنات الفكرة، مثلما تحمل عناصر السرد، وهنا تكمن فاعلية اللعبة القصصية التي تختلف عن فاعليات بقية الأنواع السردية، لأنها تعتمد على الضربة الموحية واللعبة التي ترتديها.
(جلست وفي عينيها توجُّس، وفي حركاتها ريبة، استرقت إليها النَّظر، كانت جميلة جدًّا، عيناها تتفحَّصان الوجوه وكأنَّها تخشى أمرا ما، رنَّ هاتفها، نظرت إلى الرَّقم ولم تردّ، تركته يرنُّ تحت نظراتها الفزعة، لم أتمالك نفسي وأنا أكاد أسمع وجيب صدرها هنا في كياني، سألتها: ما بك؟ لماذا أنت متوتِّرة؟ مِمَّ تخافين؟) من قصة ( في المزاد).
واوضح :إن طريقة السرد سوء التي اعتمدت على ضمير الغائب، إلّا إن ضمير المتكلّم يتناوب معها والعكس صحيح ايضا، في محاولة لاستنطاق الفعل، ليكون الصورة الكلية التي تقرّب القصد من وراء الحكاية فهي تبدأ دومًا بفرش العنصر العام، ثم تقوم بتفعيل المستوى الإخباري، لتقوده الى المستوى التحليلي، فتصعد القوّة الى ذروتها في العنصر الدرامي للحكاية.. فالقصص عبارة عن حكاية اجتماعية.. صورة لمعاناة.. استلال هامش القاع لتبويب الفعل العام لقاع المجتمع.. المرأة المسلوبة.. المقموعة، المقتولة، وإن كانت ناقلة العلاقات الاجتماعية، ولهذا فإن طريقة السرد اتّخذت لعبةً مفادها أن الحكاية قد تكون مطروقة ولكن، التدوين قد ينقذها من هامشية الحكاية، فتعطي كمفعول التصاعد وأهميته، وهي بهذا جعلت من القصص عبارة مناورة تقود الى عدّة أطراف.. الأول: طرف الحكاية وقصديتها.. والثاني: اللعبة التدوينية في مناورة الزمن عبر المكان المحدد الذي قد يكون حافلة أو شقة أو شارع.. والثالث: نقل هامش الى المركز ليكون مرئيا.. والرابع: المقدرة على رسم الصورة من خلال اللغة وفعلها وتناوبه في فعل القص.



