«تاريخ الأسطورة» سؤال معرفي حول الهدف من وجودها

المراقب العراقي/ متابعة…
تسعى كارين أرمسترونغ في كتابها «تاريخ الأسطورة» – الصادر عن الدار العربية للعلوم ناشرون، ترجمة وجيه قانصو – إلى تقديم تعريف موجز ومثير عن الأسطورة، عبر عدد من المستويات التاريخية ذات الطابع التعاقبي لتكون أقرب إلى المفاصل في اكتناه المفهوم، وتطوره في الوعي الإنساني. ولعل ما يميز الكتاب قدرته على أن يقدم فهماً عميقاً لتكوّن الأسطورة، ودلالاتها في إطار علمي مكثف، حيث إن هذا المفهوم المعقد والشائك يكاد يتحول إلى نموذج معرفي، يسهل تتبعه من لدن القارئ، الذي يتلمس الصيغ المتقدمة أو المراحل التي تشكلت فيها الأسطورة، لتمسي ممارسة إنسانية متجذرة بعد مراحل طويلة من التعديل المستمر تبعاً لتطور الإنسان.
يبدأ الكتاب بسؤال معرفي حول الهدف من الأسطورة ووجودها، ونعني تلك الماهية، فالأسطورة قديمة قدم الإنسان، بل إنها تسبق ظهور الإنسان العاقل Homo sapiens وبذلك فهي ثقافة الإنسان بالمطلق الكلي، فالإنسان غالباً ما يقع في أسر الغامض، وغير المفسر عند مواجهة المصاعب، فينتج الأسى والحزن، ولعل هذا ما دفعه، منذ أن وجد، إلى اختراع القصص بغية التفسير، مع وجود ذلك التقاطع الجدلي مع الدين، ولاسيما لدى الحضارات القديمة.
الأسطورة ببساطة نسخة غير مكتملة، تعكس وعي وتفكير الكائنات البشرية الفانية، غير أن أهم ما يميزها إمكانية المشاركة، كما أنها تدفع البشر إلى تغيير أنظمة سلوكهم، وقيمهم من أجل تذليل فهم ما يبدو عصياً على التفسير، كما أنها تعطينا أملاً جديداً كي نستمر في الحياة، كما تشير الكاتبة؛ ولذلك فإن الأسطورة تحدد ذلك التحول الذي يميز توجهاتنا، حيث ترى مؤلفة الكتاب أن الأسطورة ليست مجرد قصة تتلى في أماكن وأوضاع دنيوية، أو تتضمن معارف مقدسة، فمعرفتها لا تتأتى من جعلها ضمن مناخ مستقل عن التجربة الدنيوية، ولكن ينبغي فهمها في سياق التحول الروحي، فنحن نحتاجها حين نتحدث عن مغزى النهايات.
يذكر الكتاب أن معظم الثقافات لديها التّصور عينه بخصوص الجنة المفقودة، حيث كان الإنسان يعيش في كنف الإله في حالة انسجام، ليفقد بعد ذلك الحظوة والوئام، وينتقل إلى الأرض ليواجه الغامض، حينها ينظر إلى الطبيعة والموجودات على أنها موضوعات للعبادة، أو عبارة عن تجليات القوة الخفية ـ كما يوضح الكتاب- إذ يمكن رؤية حضورها المؤثر في نواحي الطبيعة كافة، ومنه السماء التي ترمز إلى التعالي والأزلية، كما نجد في بعض الأساطير لدى اليونانيين والكنعانيين، فمعنى السماء يرتبط بتوق الإنسان إلى التعالي الذي يمثل سمواً على الدنيوي أو الطارئ في معظم الديانات.



