«الكونترباص» نصّ مسرحي عمّا لم يخطر ببال بشر

المراقب العراقي/ متابعة…
«الكونترباص» نصّ مسرحي أنجزه باتريك سوسكيند في 1980، ثم أعيدت طباعته ككتاب للقراءة في 1984، لقربه من بنية القصّ، وكونه يجري على لسان ممثل وحيد كمونوج غير مقاطع. النجاح الباهر الذي حققه في تأديته على خشبة المسرح تحقّق أيضا في الكتاب الذي نقله إلى العربية سمير غريس وصدر عن دار المدى-2021.
في «الكونترباص»، الذي يحتمل أن يكون نصّا مكتوبا على قدر ما هو نصّ مسرحي، أدخلنا في ما لم يكن قد خطر في رأس أيّ منا من قَبل. بنحو ما، يشبه اللعب، لكن، كما في الكونترباص، اللعب القادر على أن يصل بنا إلى عمق الشعور بالدونية، سواء دونية الآلة أو دونية عازفها.
لا أصدقاء، لا امرأة، لا حياة خارج العمل، لرجل هو الآن في الخامسة والثلاثين. ولا مشاريع للمستقبل، طالما أنه يرى أن الأفق ارتسم نهائيا ولا مجال لمفاجأة قد تأتي. ثم أنه لا يطيق أيّ شيء جديد. هو عالق في الماضي، ففي الموسيقى بقي هناك عند «الكبار» الذين لم يُضَف إليهم أحد منذ القرن التاسع عشر. ومع ذلك لا نجده ممجّدا هؤلاء الكبار. هو يماحكهم، ذاك لأنهم يعرفهم، كأنه مقيم إلى جانبهم وهذا ما يتيح له ملاحظة أخطائهم وهفواتهم. هو ليس في الماضي المحلوم به إذن، المصنوع من الحنين، بل في العالم الذي يبدأ وينتهي في الأوركسترا، حيث يعمل، حيث يعزف.
ذلك الرجل الذي بلا اسم هو بلا معنى، بما يذكّر بالعنوان الذي وضعه روبرت موزيل لكتابه Man Without Qualities. رجل بلا معنى، أو رجل لا يجد لوجوده معنى بات، ومنذ زمن طويل من تاريخ الكتابة الروائية، شخصية نموذجية كثيرا ما كُتبت، أو أُدّيت على المسرح أو في السينما. شخصية كثيرا ما قرأناها أو شاهدناها مستعادة ومكرّرة. ما سوّغ ظهور هذه النسخة الجديدة منها، هو ربطها بتلك الآلة الموسيقية على النحو الذي جعل شخصيّة عازفها ظلّا لها: الكونترباص وقد أرخى بثقله على عازفه مخفضا إياه إلى مرتبة البطولة الثانية، أو على الأقل إلى رجل لا شيء لديه يقوله من خارج تأثير آلته فيه. أن تحتل آلة موسيقية هذا التركيز، المسرحي أو الروائي، لتكون ما يصنع الشخصية الوحيدة، هي الإضافة التي قام بها باتريك سوسكيند لإعادة إحياء الإحساس باللامعنى. هذه هي صدمته التي تميّز بها ككاتب: أن يُخرج الأدب من هياكله المعتادة وقوانينه. كثيرون من قرّاء العالم، كما من مشاهدي الأفلام السينمائية، انجذبوا إلى الصدمة التي أحدثها بكتابه «العطر»، ثم بأقصوصته «اليمامة» تاليا.



