ثقافية

“للمفتاح وجوه عدة” رواية حدد مؤلفها خارطة الوجع العراقي في الماضي والحاضر

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…

يرى الناقد جواد الكاتب ان مؤلف رواية “للمفاتح وجوه عدة” الروائي والقاص مهدي علي أزبين أوجد حلاً إخراجيا سينمائياً حدد فيه خارطة الوجع العراقي في زمن الماضي والحاضر بشخصيتين رئيستين عرض من خلالهما مأساة أجيال حاولت سلطاتها الحاكمة هدم صرح الولاء للوطن.

وقال الكاتب في قراءة نقدية خص بها (المراقب العراقي): في العمل الروائي، تكون مهمة الكاتب صعبة قياساً إلى الفنون الأخرى، كالرسم أو النحت أو المسرح أو التلفزيون، لدرجة أن أي خلل في منطق سير الأحداث يجعل القارئ ينفر منها، فلو تطرقنا إلى الشخصية الرئيسة، كونها العمود الفقري في البناء الروائي، لذا وجب تسليط الضوء عليها، فالبناء القصصي الناجح هو الذي يؤسس سمات الشخصية بشكل مبكر، لأن التأخر في تقديمها يعطي عنها انطباعاً زائفاً.

 وأضاف :في رواية “للمفتاح وجوه عدة”، نجد العلاقة متماسكة بين الشخصيات ومثابرة الفعل في تجسيد الحدث، بالشكل الذي يؤهل القارئ لفك شفرة الخطاب المنوّه عنه بين أضلع متن الحكاية، بالأخص الأب وابنه كونهما الشخصيتين الرئيستين، اللتين انطلق بهما إلى تأسيس حكايته، على الرغم من إخفائه اسميهما، كان متعمداً على ما يبدو، غايته الترميز بهما، كونهما حالة شائعة تتوافق معها أحوال كثير من الناس في البلاد حيث ان الحكاية مفعمة بمشاعر الابن الجياشة تجاه أبيه الذي فقد وعيه ولا مجال لانفراج حالته، ومحاولة الابن أداء مراسيم رد الجميل لأبيه فيما أصابه من آلام ومعاناة وضياع العمر لأجله.

وتابع: تواكب في زمن الحكاية أصوات دفعت مجرى الأحداث بدءاً من الجندي مفتاح والعراقية أم مراد، ومراد والأم النمساوية والأب النمساوي ولا ننسى بهروزي، تجدر الإشارة هنا إلى أن هذا الصوت السردي المبتور في الحكاية، جعله الراوي يغوص في بهاء النمسا دونما السؤال عنه، في أي مشفى رقد، ماذا حلّ به؟ نتساءل.. ما هي دلالات بهروزي يا ترى؟ ولماذا فقد النص عبارات الحنين تجاهه؟ ما وراء الكاتب ليخفيه في شخصية بهروزي الهادئة والمطيعة؟ الإنسان بتركيب خيالاته يعشق الحكايات على نحو أنّ فضوله يدفعه ليسأل عن كل شاردة وواردة، يفوق بها اعتقادات جيرار جينيت أو جاك دريدا أو باختين، فالقارئ كمشاهد للشاشة الفضية، لا يرحم بتساؤلاته لو عكّر صفوَ مخيلته فعل مبهم في حدث صوري واضح. فكيف بنص سردي.

وأوضح : إن ثمة أصوات أخرى، منها: الشرطة النمساوية، بائعة القيمر، بائعة السمك، “أم اللبن”، صوت الدليل في السفارة النمساوية، الكاتب الفقير، الصحفي “معز” المؤلف المستقبلي لرواية “رحلة المفاتيح” بأجزائها الأربعة، أضف إلى ذلك، أدلاء معابر الحدود والشرطة، هناك أنفار وضعهم المؤلف ليتمم ما بين أسطر سرد الأحداث، تناظر لقطات “الانسيرت” المقتطعة في السرد الصوري، تدعم الفكرة الأساس في المشهد كما تدبّر الكاتب أحداثاً تأسيسية للشخصية بدءاً من مغادرته النمسا، حتى وصوله مطار بغداد، ليطمئن على حالة والده، بناءّ على رسالة قدمت إليه بالموبايل، مضمونها: “تعرّض والدك لحادث مؤسف” ص7، “في العناية المركزة لمستشفى الكندي8″، “لا تقلقي، سأعود حتماً”.

 ولفت الى ان الأحداث تسير في نسيج الرواية بمفاتيح سردية عدة، اعتمدها الروائي مهدي علي ازبين ليمثل بؤرة الحدث، تبدأ الحكاية برحيل البطل وتنقله بخط مستقيم من محطة مكانية إلى أخرى ثم تنتهي بعودته إلى النمسا، نلمس مدى فاعلية الرحيل في مسار الحكاية بالكامل، مستخدماً أشكالاً مختلفة من السرد، وظفها بجمل سردية فائقة التصميم تليق كثيراً بالسرد الروائي، ناهيك عن لغته الشعرية التي تنبض كدقات القلب بين مقاطع الرواية، تشير إلى براعة المؤلف في نقل رؤيته إلى القارئ، خاصة السرد الذي أفصح لنا فيه عن الأحداث التي حصلت قبل زمن القص بالرجوع إلى الماضي، كما في الرسائل السردية ذات التسجيل الصوتي، عودة في خدمة الحدث وتدفقه إلى زمن ذكرياتٍ تمخضت فيها فكرة رحلة، تسلل الأب عبر الحدود بوساطة أدلاّء. “أقاربُ بين القابع في الصورة وبين الهامد في السرير، كم توسلته أن لا يذهب إلى العراق، اقترحت عليه استقدام والدتي بعد انفتاح الأجواء ص16″، “تركت أهلي، ودفنت نفسي وأنا على قيد الحياة ص 44″، حوار داخلي مع النفس يناظر المنولوج المسرحي في طرح الأفكار الكامنة في ذات الشخصية، ضابط عسكري برتبة نقيب أيام الحرب العراقية الايرانية، خيم عليه اليأس بحجم يأس المعالجين لطفله، ولأنه لا يستطيع مواصلة علاجه، دفعت به أحداث الرواية لأن يلتقي بأحد جنوده يكنى بالمفتاح أو هكذا بات اسمه، شخصية نراها متلونة في القص، تتغير في كل زمان ومكان بحذلقة، “يداري خبزته” بالمعنى العام.

وبين :ان الراوي طرق سرداً بصيغة الماضي وآخر ملفوظ بصيغة الحاضر، كما في سرد معز “أن نأكل حجر هذه الأرض أفضل من خبز الذل في الخارج، خمسون سنة وأنا راضٍ بالحجر، تجرعنا المرارة بكؤوس الاصطبار، نغترف من آبار الجلد حتى جفت، ننتظر أن تحن علينا بلادنا| أمنا، لكنها ترضعنا بوعود من خواء، تدغدغنا بأحلام استحالت كوابيس توازي المتاعب، اعتدنا مضغ الحجر حتى تهشمت أسناننا، ألفنا التهام التراب ص65”.

 وأستطرد: تجلى الخط السردي بهندسته اللغوية الزاهية والمتمكنة، والأصوات السردية المتعددة في روايته متباينة اللحن والنغمة والمعرفة، فالتخاطب مختلف ما بين بائعة القيمر والضابط العسكري، أو الكاتب وزمرة اللصوص في الباب الشرقي، وهذه دلالة على أنّ الروائي الناجح هو سارد ناجح لانتقائه الألفاظ والسلاسة في الجمل التي توصل المعنى إلى خيال القارئ.

وختم: إن المؤلف أوجد حلاً إخراجيا سينمائياً، حدد فيه خارطة الوجع العراقي في زمن الماضي والحاضر بشخصيتين رئيستين عرض من خلالهما مأساة أجيال، حاولت سلطاتها الحاكمة هدم صرح الولاء للوطن، وغرزت مفهوم الهجرة بوسائل غير مشروعة أخلاقيا، بمباشرة وغير مباشرة، وهنا يكمن ما نوهت عنه عن إخفائه المقصود درامياً لاسم الأب والابن، كونهما بواعث فكرته الأساسية، وأعدها حلاً من الحلول الفنية في شاشة الفن السابع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى