ثقافية

“مرد روحي” قصائد ذات طقس شعبي ينفتح على هموم الأهل بلغة تحتفي بوقائع الحياة

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…

يرى الناقد  فاضل عبود التميمي ان عنوان مجموعة «مَرَدْ روحي» الشعرية للشاعر الدكتور عباس اليوسفي مستل من فضاء الثقافة الشعبية، التي لا تمت بصلة إلى ثقافة النخب، والخطابات الرفيعة، ومقولات السلطة، وكتابات التمييز بين البشر؛ لأنها ببساطة ثقافة جمع من الوعي العام.

وقال التميمي في قراءة نقدية خص بها (المراقب العراقي): للشاعر عباس اليوسفي مجموعة  شعرية «مَرَدْ روحي» صادرةعن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق 2020، وهي بقصائدها النثرية -إلا قصيدة (لن أتذمر)- وعاءٌ لروح الشاعر التي انفتحت على شعرية ـ سميتها شعرية العائلة ـ هاجس الشاعر في ما تأمل عوالم لم يستعرها، ولم يبالغ في تشكيل حجم الألم الذي ذبح أناه من الوريد إلى الوريد، بل ظل يكابد الهم من دون أن يمنحه فرصة الانقضاض على الذات والعائلة التي تهيمن على متن المجموعة ليست عائلة (الشاعر) وحسب، إنما هي عائلة أكبر: الأهل، والشعراء، والأصدقاء… وإذا كان عنوان المجموعة «مَرَدْ روحي» فإن (مَرَدْ) لفظٌ (عراقي جنوبي) له إيقاعه الاستعمالي الخاص، يُرَد إلى مَرَدَ الذي يأتي بمعنى مرس، ومص، ومزق، ودفع ، ومرَدَ يمرُد، مُرودًا، فهو مارِد، والمفعول ممرود عليه، أي أن الشاعر في طفولته (مَرَدَ) روحَ أمه، وهو الآن ماردٌ استرجاعي يلهو بورق الشعر، ويغفو على أعتاب الذكريات، وهذا يعني أن العنوان مستل من فضاء الثقافة الشعبية، التي لا تمت بصلة إلى ثقافة النخب، والخطابات الرفيعة، ومقولات السلطة، وكتابات التمييز بين البشر؛ لأنها ببساطة ثقافة جمع من الوعي العام.

وأضاف : كانت قصائد المجموعة ابنة المعاناة التي لا يستعيرها الشاعر من الآخر القريب، أو البعيد، بل كان ينفخ برمادها من تحت لسانه، فتأتيه طوعا مثل الهواء الذي يستنشقه بلا دفع مؤجل بشروطها اليومية التي يسترجع من خلالها الماضي: «يا وطني.. كنتُ صغيرا. وكان يعودُ أبي…عندما يذهبُ بعيدا. وأظل أسأل: لم يتركني وسط هذه الغابة؟ وأمي تزحف دموعُها. وتقول: يا إلهي متى. أراه. يكسر الصغير ألعابه، وتنادي: يا عباس يا مَرَدْ روحي».

وأوضح : تأتي بعضُ القصائد محمولة على جناح الألم، ومخاض التجربة التي كادت أن تودي بحياة الشاعر لكن القدر كان معه، مع ألم دفين، وتطلع لتجاوز الحال، وبزوغ السؤال المحير: (إلى متى يبقى؟) فلا يمكن للحياة أن تبقى واقفة هكذا: «التل صار مقبرة. والبعيرُ أضحى مجرد ذكرى. أكلتها الشراسة»، هنا يأخذ الاسترجاع الشاعر إلى سؤال طفولته، والدرس العراقي الذي تعلمناه جميعا في (القراءة الخلدونية) في السنة الأولى من التعلم، ذلك الذي منطوقه: (إلى متى يبقى البعيرُ على التل؟)، هل لبعير الطفولة بعد أن ينزل من التل، ولا ينتظر نعمان؟ هنا تصبح الإجابة ضربا من العبث، والشاعر يحاكي درسه الأول، وهو يعلم أنْ ليس له وطن، ولا بيت، ولا تل، ولا بعيرٌ سوى القصيدة، التي يصنع من خلالها حكايات وطن، ومدن، وقرى تصوغ نماذجها التي لا تغادر تأريخها، ولا تخون، وله أن يتغزل بوحدته القائمة: «أيها الوحيد. المتوحد إلا منك. تململ بقاياك. المنسوبة لي».

وأوضح :تنفتح القصائد بشعريتها اليومية على أصدقائه الأدباء ففي «كأني أنت يا أنا» تنسرب القصيدة في مجرى الشعر نحو الروائي حسن كريم عاتي مبدع رواية «اليوسفيون»، ولكنها سرعان ما تنزلق نحو السياب «يغني بأعلى صوته. مطر.. مطر. مات السياب، ولم يبصر المطر»، فالمفارقة حاضرة، والتغاير في الاستدعاء، والخطاب الموجه للأصدقاء حاضر: «فأعود محملا. بالمفاشل. أصدقائي»، وقد يسترجع الشاعر ذكرى من رحل من الأهل والأصحاب، ففي «بكاء أبيض» تتوجه القصيدة بحزنها القار نحو الأب: «لماذا يا أبي. لماذا تبكي في الليل. وتترك النهارات. حيرتني يا أبي»، فضلا عن توجه الرثاء نحو القاص إسماعيل عيسى، فيصير ضربا من التذكير: «فجأة. هكذا تمر مسرعا.. دون سحابة تستظلك»، أو في قصيدة «بكائية أخرى لمالك اليوسفي»، التي أردا لها أن تتجاوز بكاء متمم بن نويرة على أخيه، والشاعر يرثي أخاه الأكبر، ففي قصائد الرثاء السابقة تغيب نبرة الحزن القديمة، لتحضر لغة القصيدة بهيبتها المتواضعة، وهي تتخطى الموت بوصفه مأساة لتستقر في حدود صياغة سردية يتكثف فيها الربط بين المُتوفى والحياة.

وبين :يسترجع الشاعر مجموعته الشعرية الأولى (اليوسفيات) بما يشبه الحنين إلى أيامه الأولى، بإيجاز يدعم فكرة تكثيف الدلالة: «أرقصي. أيتها الأيام. على أوتاري»، والسير على الدرب الأول، فتحضر أولى القصائد التي نُشرت في الصحف عنوانا في إشارة إلى قصائد يرثي بها نفسه، والسياب ، وأمير الصعاليك عروة بن الورد، فضلا عن حضور اسم الشاعر في المجموعة ثلاث مرات، لعل ذلك الحضور تجريب آخر يدعو من خلاله الشاعر إلى التمسك بصوته الواقعي، بوصفه مبدعا، فما أن يدخل الشاعر المتن الشعري، حتى تصبح حقيقة وجوده موضع عناية ثقافية عند المتلقي، وهو يكتشف أن لغة الشعر تتجه نحو الأعماق، ليصبح المتلقي نفسه على دراية مفارقة، تشير تأويلا إلى أن الشاعر يتموضع في النص ليؤكد انطلاقه

وأستطرد: يسهم الاسترجاع في استحضار أصدقاء مازالوا على قيد الحياة جاسم الخالدي مثلا، وهو ناقد وأكاديمي: «ليل يا. ليل. الأصدقاء تخلوا عن تيجانهم. وأخذوا يغنون. لذكرياتهم البائسة»، وفرج الحطاب الذي كان شريكه في تأليف «الشعر العراقي الآن»، وعبد الله لفته والد الشاعر ذلك الذي قُيد اسمه سهوا في سجل العائلة، وإلى «إليه فحسب» يريد به نفسه، والشاعر جمال الحلاق في منفاه الأسترالي، وإلى «الفقدان» الذي جعل الناس في متاهة المشاهدة «قدرنا. أننا لا شمال لنا. لا جنوب. غربيون. شرقيون. والمبصر لا يبصرنا» فكانت مهمة الشاعر التفتيش عن الوجوه التي غادرته، والحقول التي تركض بلا هدف، واللهاث وراء الكلمات.

وختم : قصائد «مَرَدْ روحي» تبتكر لنفسها طقسا شعريا شعبيا ينفتح على هموم الأهل بلغة تتسم باليسر المحتفي بوقائع الحياة، والشاعر فيها شفيف جدا، ولكن بمواقف جريئة، وهذا ما كان، ويكون لشاعر القصيدة اليومية التي برع عباس اليوسفي في كتابتها، وهو يرى في بانوراما الحياة مكمنا لشعرية يجب الاحتفاء بها، ولو بلغ الشاعر فيها يومه الأخير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى