المنتحرة .. قصتان قصيرتان

د. فارس عزيز مسلم
قِصَّة قَصيرة _ عن واقِعةٍ حقيقيَّةٍ شَهِدتُها ، أنا كَلبَةٌ عِراقيَّةٌ سائِبَةٌ ، لا أحمِلُ اسمًا ، ولا أملكُ وَجْرًا ! ، أيَّامي سِلسلةٌ مِنَ الجوع ، والتَّشَرُّد ، والاضطهاد والآلام ، لا يمكنُ لي أن أشكُوَ لأيِّ طبيبٍ بيطريٍّ ما أُعانيه مِن رُضوضٍ ، وكُسورٍ ، وجُرُوحٍ ، وأورامٍ ، وأمراضٍ باطنيَّةٍ … منظري يبعثُ على الرِّثاء ! ، ومظهَري يُثيرُ الاشمئزازَ ، فلا تراني إِلَّا مُلَطَخَةً بالوحل ، أو الزَّيتِ الأسود حين أبيتُ في مِرأب السَّيَّارتِ ، أو قُربَ مَحالَّ تصليح السَّيَّارات . أتجوَّلُ في الأزِقَّةِ وفي الشَّوارع وأقفُ عند كُلِّ مَزبَلَةٍ ، لِأُشبِعَ جوعي ، وغالِباً ما أُطرَدُ مِنَ المزابلِ ، فَأهيمُ على وجهي ، وأعبِرُ الشَّارعَ تِلْوَ الشَّارع لأصِلَ إِلى مزبلةٍ أُخرى ، فَيرميني الصِّغارُ بالحجارةِ ، فَأَهربُ مِنهم إلى مكانٍ آخَر … وهكذا …. آهٍ ، كم أغبطُ الكلابَ في أمريكا ! ، لا يُولَدُ في أمريكا إِلَّا كلبٌ ذو حَظٍّ عظيمٍ ! ، الكلبُ _ هُناكَ _ أعزُّ صديقٍ للإنسان ! ، أو بالأحرى ، الإِنسان _ هناكَ_ أعزُّ صَديقٍ لِلكلب !!! ، أَمَّا _ هُنا_ فَنحنُ نعيشُ في ثَقافةٍ مُعادِيَةٍ لِلكلاب ، فالكلبُ _ عِندَنا_ أنجسُ ما خَلَقَ اللهُ ! _ هل يخلُقُ اللهُ نَجِسًا؟! _ والكلبُ _ هنا أيضًا_ أوفى ما خَلَقَ اللهُ !! _ هل الوفاءُ عندَ العَرَبِ والمُسلٍمينَ نَجاسَةٌ ؟؟!! _ قَبلَ أيَّامٍ قامَتْ حَملَةٌ شَرِسَةٌ لِقَتْلِ الكلابِ _ في الشَّوارع والأزقَّةِ وفي الشَّوارع والأماكن المفتوحة ومُفترَقات الطُّرُق _ نَفَّذَتْها دَوريَّاتُ الشُّرطةُ بِروحِ وحَماسِ الحَملاتِ الدِّينيَّة المُقَدَّسة ! أو الحروب الأهليَّة المَذهبيَّة !! ، كلُّ هذا بِسَبَبِ بلاغٍ من دائرة الصِّحة بِوجود كلبٍ مسعورٍ ! ، إِذْ قُتِلَتْ عَشَراتُ الكلابِ البريئة _ التي لا تنبحُ ولا تَعَضُّ _ بِجَريرةِ ذلكَ الكلب المسعورِ المَزعوم ! ، وقد قُتِلَتْ عائِلَتي بِأَكمَلِها بِبنادق الشُّرطة ، ولن أَنسى جرائي الصغار وهم يلفظونَ أنفاسَهم الأخيرة ويرمقونَ السَّماءَ بِنظرةٍ أَخيرةٍ ! ، وبعدَ ذلِكَ تُرِكَتْ جُثَثُهُم في العَراءِ مَكشوفَةً لِلرِّياح الأربَعِ ، وتحتَ الشَّمس والقمر وعُيُونِ المارَّة ! هَيهاتَ النَّومُ بَعدَهُم ! ، لا بُدَّ مِنَ اللِّحاقِ بِهِم ، يجب عليَّ أن أنتحِرَ على يد هؤلاءِ الشُّرطة ، بِأن أُمَثِّلَ دورَ ابن عَمِّي الذِّئب ، وأُكَشِّرُ عن أَنيابي كأّيِّ كلبٍ مسعورٍ ، وأقِفُ نابِحةً أمامَ دوريَّة الشُّرطة التي قَتَلَتْ أولادي حتَّى يتَطَرَّزَ جسَدي بالرَّصاص ، وأفارِقَ هذه الدُّنيا الظَّالِمةَ إلى العَدَمِ المُطْلَقِ ! _ لا أطمعُ في جَنَّةٍ ولا أخافُ مِن جحيمٍ ، مثلِ البشر !! _ فالحياةُ _ هنا قاسِية_ والموتُ هو الرَّحمةُ الوَحيدةُ فيها ، والقَتْلُ هُوَ المكرُمةُ الوحيدة التي أنالُها مِنْ يَدِ هؤلاء !!!
زيارة خاطفة !
بُعَيْدَ الفجر ، دقَّ جرسُ البابِ ، هرع إِليهِ ( محمد) بِعينين نصفِ مُغمضتينِ مِن النُّعاسِ وبقلبٍ يخفقُ قلقًا ، صاحَ بتهدُّج : _ منْ ؟! _ أنا شَقيقُكِ التَّوأم ( أحمد) ! كانَ شَقيقُهُ التَّوأم قد هاجرَ إِلى ( استراليا) قبلَ أكثر من عشرين عامًا ، وتزَوَّجَ هناكَ _ لكنَّهُ لم ينجبْ_ وأصبحَ ثريَّاً جِدَّاً ، فَكيفَ عرَفَ عُنوانَ بيت أَخيهِ الجديد ؟! ، ولِماذا لم يخبرْهُ بِمَوعدِ الزِّيارةِ ؟! نعم ، انقطَعَتِ الاتِّصالاتُ بينَهما مُؤَخَّرًا لِمدة أكثر من ثلاثة أشْهُرٍ ، لكنَّ ذلكَ لا يمنع من مُعاودة الاتِّصال وإِخبارهِ بِهذهِ الزِّيارة المُفاجِئة ! _ أهلًا وسَهلًا ، الحمدُ لله على السَّلامة ! وهَمَّ (محمد) بتقبيلِ شقيقِهِ ( أحمد) لكنَّ ( أحمد) تَراجَعَ كَأنَّهُ يَهربُ من عِناقِ شَقيقِهِ التَّوأم ! ، لِماذا هذا الجَفاءُ الغريب؟! _ تفضَّلْ يا أخي ، لِماذا أنت واقفٌ بِلا حراكٍ ؟! _ أرجوكَ ، لا وقتَ عندي ، جِئتُ لأراكَ فقط! _ ما سِرُّ هذهِ الزِّيارة؟! _ سأستقرُّ في العراق إلى الأَبد ! وكَأنَّهُ ألقى طُرفَةً ، فَضحِكَ ( محمد) ثُمَّ قالَ : _ هذا عجيبٌ وغريبٌ ، ألم تَقُل إِنَّ العراقَ لم يَعُدْ يصلحُ إِلَّا مقبرةً ؟! ، فماذا تَغيَّرَ ؟! ، هل تحَسَّنَ العراقُ؟! أم ساءَتِ الأَحوالُ في ( استُراليا) ، سَكتَ ( أحمد) ولم يُعلِّقْ ، فقالَ ( محمد) بِلهجةٍ ضاحكةٍ لِلمُزاح: _ ما هذه الحقيبة التي تحملُها ؟! إنَّها تُشبِهُ التَّابوتَ ؟! لم يُعلِّقْ ( أحمد ) أيضًا ، فَشَعَرَ ( محمد) بانزعاج وقالَ لَهُ بِلهجة عتابٍ : _ لماذا لا تدخل في بيتي ؟! _ الزِّيارة انتهت ! _ بِهذه السُّرعةِ الخاطِفة ؟ _ نعم ، لا تعجَبْ يا شَقيقي ؛ فَكلُّ شيءٍ يجري بِسرعةٍ خاطِفةٍ! ، حتَّى الحياةُ نَفسُها ! . واستفاقَ ( محمد) مِنَ النَّوِم على نغمة الهاتف المحمول ، فَعَلِمَ أنَّهُ كانَ في كابوسِ مُزعجٍ ، _ ألو _ نعم _ أنا زوجة أخيكَ ( أحمد) ، إِهٍ ،إِهٍ، إِهٍ …. البقاءُ في حياتِكَ ، تُوفِّيَ أخوكَ قبلَ ساعةٍ ، بعد سَرطانٍ خاطِفٍ لم يُمهِلْهُ أسابيعَ ، وقد أوصى بِدفنهِ في مقبرة العائلة في النَّجف ، وقد أوصى لَكَ بِمبلَغٍ ماليٍّ كبيرٍ ، يُرجى مِنكَ التَّحضيرُ لاستقبال التَّابوت !




