كانط وزنزانة الفلسفة

أوس حسن
يشبه الشاعر الألماني هايريش هاينه إيمانويل كانط في كتابه نقد «العقل المحض» بروبيسير المرعب في ضآلة حجمه وجسده، قائلا: ممكن للفرد الألماني أن يغفر لروبيسير قتل الملك وبضعة آلاف من الفرنسيين، لكن كانط قتل الله، ولغم أثمن ما للاهوت من حجج وبراهين. ثم يعلل هايرش هاينة عودة مملكة الله في نقد العقل العملي، إلى أخلاقية كانط ورحمته، عندما رأى خادمه لامبي يبكي بغزارة، فنسمعه ينطق بلهجة فيها من السخرية واللطف: ينبغي أن يكون للامبي إله، وإلا فإنه لن يكون سعيدا.
كانت المعرفة قبل كانط تنقسم إلى قسمين في الفلسفة: المذهب العقلاني الذي يرى أن المعرفة هي نتاج عقلي محض، من خلال أفكار فطرية وقبلية يتضمنها العقل، وبالعقل وحده يمكننا تفسير الوجود والواقع، من خلال عملية التفكير ومبادئها الرياضية التي وضعها ديكارت. ومذهب تجريبي حسي كان يرى أن المعرفة تأتي من التجربة والحواس المستنبطة من العالم الخارجي، وإن العقل مجرد أداة فقط تتأثر بالحواس وتنتج لنا المعرفة. جاء كانط ليصهر أسس المعرفة القديمة في قالب خاص، بعد أن مزج المذهبين في فلسفة مستقلة بأصولها وقواعدها العلمية والأخلاقية، فقسم العقل أو الذهن إلى ثلاث ملكات هي: (المعرفة) (الإرادة) (الحكم) وقد خصص لكل ملكة كتابا تناول كل منها في التقييم والتحليل : نقد العقل المحض، ونقد العقل العملي، ونقد ملكة الحكم. إذا كان كانط، قد أقام فلسفته على حقائق لا يمكن إغفالها عند العقلانيين والتجريبيين، فإنه لم ينكر تأثره ببعض الفلاسفة التجريبيين، الذين أسقطوا العقل واهتموا بالعمليات التركيبية للذهن البشري مثل، الفيلسوف الشكاك ديفيد هيوم، وقد قال كانط بعد قراءة هيوم: «لقد أيقظني هيوم من سباتي الدوغماطيقي» فكان هيوم يرى استحالة إي معرفة بشرية خالصة حتى أنه شكك بالعلوم نفسها، وأرجع كل فكرة في الذهن إلى انطباع أولي صدرت عنه في عالم الحواس، وربط تداعي الأفكار بالتجاور والزمان والمكان، ورفض السببية باعتبارها عادة عقلية خاصة لا توجد في الأشياء ذاتها.
يرى كانط في كتابه «نقد العقل المحض» أن العقل البشري يتضمن مقولات قبلية سابقة على التجربة والحس ومن أهم هذه المقولات هي الزمان والمكان، وتكونان سابقتين لكل تجربة، فلا يمكننا تصور أي شيء، وعمل أي شيء في عالم الحس، دون أن يكون هناك امتداد للزمان والمكان في العقل، فلا توجد مادة بلا مكان، ولا يمكننا تصور أي شيء في هذا العالم بلا مكان، أي حسب كانط أن المكان يسبق المادة، وكان لهذه المقولات أساس علمي في ما بعد بنسبية إينشتاين في الزمان والمكان. حتى في ما يخص أحكام الفلاسفة على القضايا الرياضية، فإن كانط خالفهم في مبدأ هذه الأحكام، فكان الفلاسفة يطلقون على كل قضية رياضية تحليلية قبلية، أي أنها ليست مستمدة من الخبرة الحسية، ولا تعطي معرفة جديدة سوى تحليل الموضوع، وإنكارها يؤدي إلى الوقوع في التناقض وضرورتها ليست ابيستمولجية وإنما منطقية بحتة.



