رحيم الربيعي شاعر يعيش افتراضات عوالم الشعر التائهة على تخوم أطراف الحياة

المراقب العراقي / القسم الثقافي
يرى الناقد والشاعر وجدان عبد العزيز إن الشاعر رحيم الربيعي يعيش افتراضات عوالم الشعر التائهة على تخوم أطراف الحياة .
وقال عبد العزيز في قراءة نقدية خص بها (المراقب العراقي) : وصلتني نصوص متفرقة ومن مجاميع عديدة للشاعر رحيم الربيعي، وكان قد اوصلها لي الشاعر يونس جلوب العراف، حيث كان ديدنه التعريف بشعراء العراق، فشكرا لجهوده المثمرة، وكانت هذه النصوص تجتمع على مائدة البحث عن حقيقة الحياة وما يخالجها من جمال وقبح.
وأضاف: إن هذه النصوص جاءت بلغة المحذوفات، حتى تبدى لي انها هذيانات لغوية، غير إنها تعيش عوالم التيه في بحر عالم الشعر الممتد عبر مديات مفتوحة وغير قارّة بالمرة فهل يستطيع الكذب أن يدور حول الأرض في انتظار أن تلبس الحقيقة حذاءها، ليكشف الشعر حقيقة الأشياء.
واوضح :مما لاشك فيه ان الشعر تيه ولايمكن ان يلامس الحقيقة، الا من بعيد، فهو يحوم حول تخومها في توق لمعرفتها، بيد ان الشعر مشروع غير مكتمل، فالشعر خيال، اي ينشأ في مخيلة الشاعر ليؤثر في مخيلة المتلقي، وقد يزول المؤثَر من الاشياء بزوال المؤثِر، لذا تكون الاثار زائلة بفعل تقادم الزمن، والباقي منها جماليات غير ثابتة، وبالتالي فان الشعر رحلة جمالية في مجاهيل الكون متجددة ومتحولة حسب الذائقة والاحساس..فالجمال يُعتبر قيمة مرتبطة بالغريزة والعاطفة والشعور الإيجابي، ليس له وحدة قياس فكل إنسان يراه بشكل مختلف، مثل: الخصوبة والصحة والسعادة والطيبة والحب والإدراك، ويعطي تفسيرا للأشياء وتوازنها وانسجامها مع الطبيعة ويعتمد على تجارب الانجذاب والعاطفة والبهجة في عمق الوعي الحسي، فهو ينشأ من تجربة صامتة إيجابية، ولهذا فهو نسبي يفتح فضاءات كثيرة في التجربة الابداعية.
وتابع :في نص (الاخطبوط) من ديوان طرائد الشمس راح الشاعر رحيم الربيعي يحلق في رسم لوحة الموت من خلال جمالية العلاقة الاخوية، حيث يقول:
(فِي عِيدٍ مَضَى
عِندَمَا ألّحَ عَلِيٍّ أَخِي الكَبِير
بِرُكُوبِ لُعبَةِ الإخطُبُوط
تَذَوَّقتُ طَعِمَ الخَوف
فَحَمَلتُ لَهُ مِنْ الغَيظِ مَا جَعل أُمِّي
تَجْزُلُ عَلَيهِ أَلْذَع العِبَارَات
فَعِندَمَا كَبُرت
بعودتهِ مرتدياً علم العراق
تَيَقّنتُ أَنَّهُ كَانَ يُرَوِّضُنِي
لِلعَيشِ فِي وَطَنٍ تَتَلَقَّفُهُ أَذرُعُ المَوتِ
بِلَا رَادِع)
وهنا جمع بين جمالية اللعب واللهو وفجيعة الموت والفقدان، دون ايما تبرير وجعلنا في جمالية الفجيعة بعودة اخيه ملفوفا بعلم العراق، وكفانا ان نراه مطرزا بالون العلم (في وطن تتلقفه اذرع الموت).
واكمل : ان الشاعر الربيعي يبقى يتنقل على عكازة البحث عن الحقيقة بين جمالية الامل والحياة كحركة، وبين الموت والفناء كسكون، وبين هذا وذاك كل مرة يقطف لنا باقة من اغصان النمو ومواصلة الحركة الحياتية باتجاهات الممكن والاحتمال، لذا يقول في نص (تباريح الضوء) قائلا:
(ترجّلي لمرةٍ واحدةٍ
على سبيلِ الإنتظارِ
بعضُ المغامراتِ لاتتركُ متسعًا لقضمِ الفرصِ
الفضاءُ لا يدعو للتحليقِ
فلا تغريكِ أجنحةٌ من الشمعِ
أتونُ الضّوءِ يكشفُ عورةَ الظِّلالِ دائمًا
الاستهانةُ بساعاتٍ إضافيةٍ
وتبديدُ حصالةِ الوقتِ بجلسةٍ عابرةٍ
تباريحُ التهورِ تخفي بريقَ ما يشتهي الشعرُ)
وهنا دعوة لكشف استار شهيات الشعر الباحث عن الجمال (على سبيل الانتظار)، وكأن الجمال لايأتي دون استدعاء وبحث، بل من خلال الاحساس، كونه أمرا غير قابل للتحليل أو التفسير بالنواحي العلمية، بل هو يدرك بالوعي، حسب النظرية البنائية، أما النظرية الوظيفية، فتُعرف الإحساس على أنه عملية حسية ناتجة عن التعرض لبعض المنبهات، أو الأمور المحسوسة، إما داخلياً أو خارجياً، بحيث أن أحد أعضاء الإحساس بالجسم يستقبل منبهاً معيناً يؤدي إلى حدوث ردة فعل معينة من خلال النواقل العصبية في الجسم، ولكن علماء النفس، قالوا أنه عملية نفسية تنتج عن انعكاس خصائص الأشياء الخارجية والداخلية للفرد، والتي تنتج عن تأثره ببعض المؤثرات المادية في أعضاء الحواس، ويعتبر الإحساس كخطوة أولى للوصول إلى مرحلة الإدراك والانتباه.
واتم : من المؤكد ان الشاعر الربيعي لايبغي الوصول بقدر ما كان يحاول في مساحات الانتظار المتاحة ويتعكز في نص (تحليق في فضاءات معتمة) على الوصايا وهي عبارة ن اراقة معنى الحرصَ في طرقاتِ الرغبة ِ، محاولا عبور طرق الذاكرة للاستقرار في يقين نسبي، وكما قلنا فالشعر يجعلنا في منطقة الاحتمال، حتى ولو كنا نتعامل مع حقائق ثابتة، لذا يقول الشاعر الربيعي في هذا النص اعلاه من ديوان (التحليق في فضاءات معتمة)، وهو قيد الطبع:
(الوصايا تجلدُ حنجرةَ الذاكرة
ربما تكونُ إرثكَ الوحيد
عندما يُقدمُ لكَ بلا شريك
ياولدي…
لا تفرط بالنصيحةِ وان كُتبتْ
على عارضِ افكاركَ الهلامية
القليل من التجاربِ لا تكفي
لمواصلةِ سيركَ المتعرج فوق أروقة المتعة
مرة أخرى ترمي مصلَ سنواتي القاسية
وتريقُ معنى الحرصَ في طرقاتِ الرغبة
لا أريد أن تكونَ رقماً في سجلِ المجازفات
فقط تجرع مرارةَ أحلامك)
وكأن هذا النص يوحي بالحوار بين الأب والابن، ومؤكد انه حوارا افتراضيا، كونه يتجرع مرارة الحلم.. (على شكلِ جرعاتٍ حادة تمزق فيها/ نزق الوحدة وبريق المجهول)، والمجهول إشارة إلى افتراضية الحوار.. (وسط ضجيج العالم ) والظاهر إن الشاعر رحيم الربيعي يعيش افتراضات في عوالم الشعر التائهة على تخوم أطراف الحياة والحقيقة.



