“شجرة موسى” قصة تمثل صرخة من أجل الالتفات إلى الطبقات المسحوقة في المجتمع

المراقب العراقي / القسم الثقافي …
يرى الناقد علي البدر ان قصة “شجرة موسى” للقاص والروائي عبد شاكر هي صرخة من أجل الالتفات إلى الطبقات المسحوقة في المجتمع ،مبينا ان جيران بطلها يرصدون حركاته ويسجلون كل معاناته
وقال البدر في قراءة نقدية خص بها (المراقب العراقي) ان القاص والروائي عبد شاكر يعكس شخصية إنسان فقير يعيش على قوت يومه ونجد في السرد تكثيفاً لافتاً على تلك الشخصية مبتعدًا عن اسلوب الحوار الذاتي مع النفس monologue أو الثنائي dialogue وإنما السرد باسلوب الشخص الثالث third person حيث تحول السارد إلى راوية ومراقب واصف للحدثnarrator. وجملة موسى الحزين التي بدأ بها القاص، هي ومضة flash point أضاءت وكشفت صفات عديدة قبل صفة الحزن ويبدو أن ساكني المنطقة التي يسكن فيها يرصدون كل حركاته ويسجلون كل معاناته، رغم أنه من “عامة الناس ويسكن في حي شعبي منسي ولا شيء يميزه عن الآخرين، فهو مثلهم يحمل تقاطيع وجوههم المتعبة.” ويكشف لنا القاص صفة أخرى التصقت به هي لأنه ” ، لم يتوظف في دوائر الدولة ولو بصفة عامل خدمات.
واضاف :وتكون صفة ” موسى الكاسب ” متداولة ومقبولة عندما يكون الاخرون الذين يسكن هو في منطقتهم، موظفين وهذا غير ممكن في منطقة منسية. وكان فاشلاً في الدراسة بسبب تعقده ” من درسَي الرياضيات والإنكليزية.” و “كنّاه الناس بأبي حسن، وعلى وقعها أمضى حياته بعادية ورتابة.” حيث تزوج مثل الآخرين “وأنجبت له زوجته ثمانية من البنين والبنات.”. وبعد احتلال العراق” نال لقبًا جديدًا أطلقهُ عليه البعض من الفقراء المنسيين -موسى حواسم-…”.
وتابع :وعند رجوعه من محافظة ميسان “ْ لحضور مأتم أمه التي توفيت بمرض السرطان…”، كان الجيران قد حَضَّروا له لقب موسى الحزين عندما ” حضر واطّلع على هول تلك الفاجعة القاتلة وشارك الجيران حزنهم وعجزهم عن انتشال جثث أفراد عائلته…. حيث سقوط البيت على من فيها بسبب الأمطار الغزيرة ولم يستطع احد إخراجهم من تحت الأنقاض عندما بقوا مدفونين تحتها. وعندها قرر موسى أن يجعل من تلك الأنقاض مقبرة لهم بعد أن سيّجّ محيط البيت بأوتاد خشبية وخيوط واهية وهام على وجهه محملا بالحزن والذكريات المُرّة. ومرت عشر سنوات وتغيرت وتطورت المنطقة عدا تلك المقبرة الموحشة، التي قللت من وحشتها” شجرةٌ كبيرةٌ وارفةُ الظلالِ كان الاهالي قد زرعوها بجانب تلك الانقاض إكرامًا لأرواح موتى البيت المتداعي في اليوم المطير الذي لا ينسى.
واستطرد: ويتفاجأ” الأهالي بتردد موسى الحزين على المكان أكثر من مرة في الشهر” وكما يبدو أنه تركها كل هذه المدة، حيث يستغل الناس وجوده و ” اقترحوا عليه ان يبنوا له البيت فرفض، جلَّ ما طلبه منهم ان يتركوه لحزنه…. الذي قاده الى البكاء والنحيب والاستذكار المستمر قبل أن تحصل له تلك الجدحة التي سلبت عقله ذات يوم، ليصبح محل شفقة الآخرين وسخرية الصغار الشياطين.” وهكذا جُنَّ موسى وبات عرضة للسخرية من قبل الأطفال “. أصبح موسى مجنونـًا وتحول لقبه الى موسى الخِبل.” ونلاحظ هنا اكتسابه لقباً جديداَ ربما يكون الأخير. لكنه فجأة ” يشعر بصفاء ذهن عجيب، استعاد من خلاله شريط حياته، مُذ ليلة زفافه، حتى اليوم الذي رزقه الله بالمولود الثامن… بكى طويلاً و حين نفد منه الحزن أخذ يتمتم ضاحكـًا، ثم تحولت التمتمة الى ضحك مسموع وبريء، …. أطلق ضحكات من القلب، ضحكات صادحة بريئة، رأى فيها الحياة وهي تمتد أمامه، وقد فتحت له ذراعيها لتدخله الى بيته الجديد، بواجهته الرائعة، وبالدكاكين الثلاثة الكبيرة، التي شغلها أولاده الكبار، وبالسيارة الفارهة الواقفة عند باب البيت، وبالعائلة التي كبر صغارها….. ثم سرعان ما خرج ليجلس تحت ظِلال تلك الشجرة الكبيرة منتشيًا، متمايلاً، مصفقـًا، مغنيـًا، …… انتبه الى جذع وأغصان الشجرة فوجدها تتمايل يمينًا وشمالاً لتشاركه فرحة الحياة ..”.وهكذا تغيرت شخصيته من إنسان مجنون إلى إنسان في غاية السعاة وبات منسجما مع مجموعة كبيرة من العصافير الملونة التي ملأت الاغصان زقزقة ورفرفة بأجنحتها الصغيرة. وحدها تلك الشجرة المهجورة هي من حولت جنون ذلك الرجل المكسور إلى إحساس بهيج بالحياة.
ومضى الى القول : لقد حاول الروائي والقاص عبد شاكر التعاطف مع شخصية يفترض أن تكون مهمشة إجتماعياً وهي الحواسم وهي تلك الطبقة التي تستغل الظروف خاصة ضعف أو عجز الحكومة لتستولي على أماكن تعود ملكيتها للآخرين أو للدولة. وهؤلاء الأفراد لم يكونوا مُرَحَّباً بهم في المنطقة التي يسكنونها لأنهم غرباء في الغالب حيث يتعامل أهل المنطقة بتوجس معهم خاصة في الوهلة الأولى.
واكمل: لقد بدا الأسلوب السردي للقصة كجزء من سرد روائي مبتعد عن تكنيك القصة القصيرة المعقد وقد حاول القاص إبعاده عن السرد الحكائي. ولم يكن لدينا أي حوار في القصة كما بيننا ، فقد سيطرت فكرة إيصال الثيمة إلى المتلقي وهي ضرورة الإنتباه إلى الشرائح الفقيرة وتوفير مستلزمات الحياة الكريمة الآمنة للفقراء وهذا ما لاحظته في معظم كتابات عبد شاكر التي اتصفت بالميول الإنسانية التي تركز على عدم هدر كرامة الإنسان وبالتالي تعميق ظاهرة الإغتراب alienation عنده ، حسب التفسير الإقتصادي في تحريك وتكوين شخصية الفرد.
وختم : لقد أعطى القاص البعد الزمكاني تصوراً واضحاً ومقبولاً هو ضياع أو شبه ضياع الشرائح الفقيرة واضطرارها إلى السكن في أرض الغير من دون إذن ومقبولية. وأخيرا لابد من الإشارة إلى عتبة القصة “شجرة موسى”، لنلاحظ أن هذه التسمية تتماشى مع مبدأ الحواسم فهي ليست ملكه وهو لن يزرعها أو يعلم بوجودها إلا لاحقاً ، لقد امتازت هذه القصة بانحيازها نحو الحواسم وكأنها صرخة من أجل الإلتفات إلى الطبقات المسحوقة من المجتمع ، وعندما تفلت الأمور عند ضعف السلطة وارتباكها خاصة ضمن احتلال غاشم يتحدى كل المعايير الإنسانية الأخلاقية، نرى المتنفذين يستحوذون على القصور والأراضي ويبقى المحرومون مشتتين قد يضطرون إلى العيش على فتات موائد الأغنياء أو يبحثون وبإصرار في القمامة كما نرى بأيامنا الآن.



