ثقافية

“اشرقتُ هناك” قصائد ذات قوة رمزية مستمدة من وجدان الأمس المعلق بحبال الأسى

المراقب العراقي/القسم الثقافي…

يرى الناقد والشاعر عبدالباري المالكي ان ديوان “اشرقتُ هناك” للشاعر أسعد الزاملي  هو مجموعة قصائد ذات قوة رمزية مستمدة من وجدان الأمس المعلق بحبال الأسى ، مبينا ان الشاعر يستوحي  سلواه من الطيور المهاجرة .

وقال المالكي في دراسة نقدية خص بها (المراقب العراقي): إن العذاب الأصيل الذي يعبّر عنه الزاملي لا يكمن  في صور الحرمان والعوز التي فرضتها قيود الحياة على حسه الشعري فحسب ، ولا في أسبار النفس ، أو الهجر المعلن من معشوقة لم تحفظ له عهداً ، بل إن عذاب شاعرنا الصادق يكمن أيضاً في حكاية بحثه عن المعنى والهوية في هذا الغاب، ذلك البحث الذي يتخذ شكل التنقيب عن الحب حيناً ، وعن ذاته التي أضاعها في خضم ما يحيط به من امور مشخصة  وغير مشخصة حيناً آخر ، ذلك البحث الذي يتركز تعبيره على محاولةٍ لتأكيد تضحيةٍ ذات معنى ، وأنشودةٍ تعيد للشاعر إشراقة هويته ، ونشاطه ومكانته في النظام المجتمعي الذي يعيش فيه .

واضاف :ان الزاملي يعي ان تلك الإشراقة ستكون نقطة تحول في مجرى حياته ، وهو إذ يسرح في نظره عند مرفئه الواسع وقواربه السارية التي تشق عباب الأمواج ، فإنه يدور مع تلك الإشراقة  حيثما دارت ، كدوران القمر حول الأرض ، حتى أصبحا (هو وإشراقته ) أشدّ من صديقينِ صحبة ، وأكثر من رفيقي عمرٍ تلازماً ، وأوثق من عروتينِ تماسكاً ، بما يُصنَع منهما لا أقلّ ما يقال فيهما أنهما توأم روح فقد وهبته تلك الإشراقةُ مدداً حسياً ، وحشداً نفسياً إنتظرهما طويلاً ، فمنحاه فهماً عميقاً أُودِعَ فيه بوعي شامل لمشاكل بني قومه ، فقد رفع رايته المنشورة على جبل شامخ حين استوفى من عيون بغداد أغانيَه ، ومن بريق دجلتها أناشيدَه ، ومن صوبيها نداءَ الحرية ، اذ ما زالت طلباته رحبةً في كنف سوحها ، وزبدةُ صبرهِ واسعةً بما أتته نائباتها ، وغزله في بابل التي وُلدَت من رحم الطين تغريدةً ما سعت لها كل لغاتها .

وتابع :كل تلكمْ … هي رموز مؤلمة عن الخلاص المفقود ، وتذكرة عن انهيار محتمل للذات حين يتضرع بصوت شبابه البريء الذي لم تحجبه الشبهات التي ظهرت في نتف شعره فالإشراقة الساحرة استطاعت أن تمد شاعرنا بما يرجوه من الثبات في صلاة حزنه ، ومن تعزيز الفضائل حين لم تمحقه الظلمات ، ليغدوَ ناراً مختزلة في قبَس ، وسنا مشكاةٍ من نور انعكس ، حتى أيقن أن التجرد من بدره بلا ظلّ هي فكرة تشغله كثيراً ، وتثقله طويلاً بما لا يستطيع تصوره ، فحياته كأنها متمركزة بنظام الكون يدور معه ولا يستغني  عنه ، فيتجلى ضياءً لا يثير ريبة ، ويطوف مع الأملاك لا يوقظ الشكوك في نفسه .

واستطرد :وحين يقرر شاعرنا المضي بتلك الإشراقة ويجوس غار النفس التي فقدها في ذنوبه التي طالما اقترفها طويلاً ، فإنه يصبح قاب قوسين أو أدنى من ظل قد تدلى ، فحطم الرمز العقيم للأحلام المائعة القصيرة ، والسبل المظلمة ، والدلالات المشؤومة ، والروح الضائعة التي أمكنه العثور عليها أخيراً ومن تلك الإشراقة السامرة اختلطت الطلول مع الطيوف عند شاعرنا ، وأقبلت حروفه مجردات يصبغها دم عبيط يشمّ عبقَها قربانُ عشق ، ويشرق وجهها عند أضحيات الطفوف .

ولفت الى ان قصائد “إشرقت هناك” قد غيّرت كثيراً في منعطفات حياته ، إذْ نجده عند كل غروب إشراقه تتجدد ، وفي كل نفَسٍ صوتاً يتردد ، وعند كل بوح يغدو ارتجافة تتمدد ، فيحس من خلال ذلك بأنفاسه الحارة وهي تداعب أوراقه الصفراء ، وتستبقي من نضارته المنغمسة بحروف السر الأعظم فجذور الحكمة قد امتدت منذ بداية الخلق ، فأينعت فيها الآلام ، وانحسرت عندها رياح البحر ، وتكدر بها ضوء النهار ، وسكنت لها الألحان ، وقد ارتفعت الأيادي الى السماء وهي مفروشة الأصابع تتصاعد منها أصوات اليقين وتمتزج بآه تتبعها آه.

 وبين: ان الأجساد في فلسفة الزاملي هي أوعية للأرواح البشرية ومواقد من الأكوار تحترق فيها كل أصوات الشك ، وهي بعد هذا وذاك أُتنٌ عطشى للقاء حبيب ، فدعواته المستمرة المشوبة بالتوسلات الضارعة والصرخات الجادة هي أجلى صور الإحساس المستقى من العزلة ، ومن الأوار الذي يلفح وجه شاعرنا ، وهو يشعر بشيء من الأنس فيها ، فيقتطع منها لحظات الحضور ، ويستلهم فيها سكينة الشعور ، ويستوحي سلواه من عالم الطيور المهاجرة.

واكمل :لقد ظهر الزاملي في ديوانه أشد مرارة من طبيعته الخاصة ، تلك المرارة التي انبثقت منها وجوه الحياة المختلفة ، وأشكال فنّه المتعددة ، فاتخذ التعبير عن الظلّ والضوء ما يرجعه الى ذاته في صور حطمت لججَ البحار وأوهنت إسقاطاتِ الماضي ، فامتزجت مع أبسط الجزئيات بحيث برزت للعيان لتتخذ أهميتها عن طريق هذا الإمتزاج .

وختم :إن شاعرنا الزاملي لم يكن ليبحث عن الإشراقة هنا ، وذلك لضبابٍ قد تسيّد ، وتلاشٍ قد سيطر ، وشكٍ قد عكّر صفواً ، وعقبةِ اضطرارٍ جعلته يدرك وجوب البحث هناك عن صور دافئة نافذة الى القلوب ، وموسيقى فطرية تخلق من الروح أغنية ، وتكشف فيها أسرار الخلق ، فتجعل من شاعرنا يومض ولا يختفي ، ويرتوي ولا يعطش ، ويستحيل ضوءاً وعطراً ، وحرفاً لا يعرف حرجاً ، وصوتاً غيرَ ميّت ، وفناً صادقاً وموهبةً حاضرة ، وحماسةً هائلة . وحين أدرك الزامليّ ذاكْ …  أشرقَ هناكْ .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى