ثقافية

“نزيف الجبل” قصص عن واقع الإنسان السنجاري المضطهد

المراقب العراقي/ متابعة…

القصة القصيرة جداً جنس أدبي ظهر حديثا ليُلبّي حاجات الإنسان، وليطرح أفكاره بأقصر عبارات ممكنة، وهذا القصر ( الإيجاز / التكثيف ) مهم جدا في أي جنس أدبي، ولا سيما القصة القصيرة جدا. ولهذا الايجاز أسباب كثيرة ومعروفة، ولا يمكن أن يكون ذلك القصر عشوائيا بل مدروسا وهادفا وهنا تكمن الصعوبة ( القصة القصيرة ليست بحاجة إلى الطول ، ولكن جعلها أقصر هو ما يستغرق وقتا طويلا ) ” هنري ديفيد ثورو : ص21 / نزيف الجبل”

ويمكن تعويض هذا القصر ببعض التفصيل والإيضاح مثل (عنوان) القصة القصيرة جدا، ففي كثير من الأحيان لا يمكن الوصول إلى غاية الكاتب دون وجود (عنوان) متناسق مع مضمون القصة.. لذلك يُعدّ العنوان من العناصر المهمة في هذا الجنس الأدبي رفقة العناصر الأخرى من الحبكة والمفارقة والزمكان والقفلة المدهشة والبداية الجاذبة ورُقي اللغة والنفس السردي الطويل والرمز والإشارة، ولا يمكن التغاضي عن الدور الشعري في هذا الجنس الأدبي كون أنّ جميع الأجناس الأدبية تشترك في بعض العناصر والأدوات مع بعضها البعض، وسبب ذلك هو الأهداف التي تتشارك فيها هذه الأجناس. ويمكن ملاحظة ذلك في كتاب ( نزيف الجبل ) للقاص والشاعر نواف خلف السنجاري الذي هو موضوع قراءتنا، فقد مرّت عليّ بعض قصص هذا الكتاب سابقا قبل الطبع وركّزت انتباهي عليها آنذاك قبل أن يتكفّلَ الاتحاد العام للأدباء والكُتّاب في العراق بطباعته.. القاص السنجاري غني عن التعريف في مجال القصة القصيرة جداً وقد خدم هذا الفن عربيا وعالميا وحصد جوائز كثيرة في هذا المضمار ونشرت له الكثير من المجلّات والجرائد العربية والعالمية وترجمت بعضها الى لغات مختلفة ..

تتميّز قصص هذه المجموعة ببعدها الانساني النبيل لأنها نتاج تجارب ذاتية، فالقصة القصيرة جدا هي اقتناص اللحظة، كما غلب على معظم القصص طابع الحزن لأن أبطالها في الغالب ينتهي الأمر بهم بالموت المأساوي، أو يطرح من خلالهم أسئلة وجودية، أي أن الشخصيات عنده ليست عبثيّة أو ورقية وخير مثال على ذلك قصص ( خوف مزمن / خلاص / مكالمة ) حيث يسرد من خلالها واقع الإنسان السنجاري المضطهد الخائف من الانقراض، كما أن المكان عنده ليس نزهة أو حديقة بل في الغالب ساحة حرب أو خيمة ممزقة كما في قصص ( حكاية للأطفال / ساندريلا سنجارية / مستنقع ) ومن هنا كان اهتمامه بالشخصية السنجارية فاعطاها مساحة واسعة وتركيز كبير.

امتازت قصص نواف السنجاري بالنفس الشعري لكونه قاصا وشاعرا فاعتمد في سرده على التشبيهات والاستعارات والمجاز والفنون البلاغية الأخرى دون أن يخرج عن نمط القصة القصيرة جدا، ومن الأمثلة على ذلك: عندما شبّه فردة الحذاء بقطعة آثار قديمة في قصة (ساندريلا سنجارية)، وقوله في قصة (خلاص) : حين هطل الليل… اجتاز عتبة اللوحة كناســـــــك في معبد.. لقد كان اعتماده على هذه الصور الشعرية للإقناع والإمتاع وإشغال المتلقي بالنص.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى