قصر السعادة
سوسن محفوظ
أنفاس متقطعة ، خطوط متعرجة تعلو وتهبط ، أزيز خافت يصدر من جهاز كئيب بجانبه والموت يتربص به .. يراه في كل شيء حوله … أين المفر ؟
كان يود خلع هذا الشئ المتصل بيده وأنفه .. أن يحرر نفسه من عقال الموت دقائق ليستمتع بأخر ثوانيه وهو حيا .. قدماه ثقيلتان وظلام يغشى عينيه .. هل بدأ دبيب الموت يسرى فى أوصاله ..؟؟
يحاول أن يفتح فمه .. يستنطق لسانه .. يصرخ .. علّ أحداً يسمعه فى قبره ..
كان إذا نظر أطيع ..
إذا أمر نفذ ..
وإذا تكلم سكت الجميع .
كان يحتفظ في قصره بكل متع الدنيا .. لم يسمع عن شئ يسعد الانسان إلا أتى به كان ( قصر السعادة ) هذا نموذج للجنة الأرضية كما كان يحب أن يطلق عليه ..
استقدم أحد علماء الدين ذات مرة وحين عرض عليه مفاتن قصره بهت الرجل قليلا فسأله :
-هل بقى شيء سمعت عنه في الجنة لم آت به ؟ قال :
– نعم ..
فنظر إليه حائراً وهو يقول :
– ما تلك ؟ قال :
– فى الجنة إذا رغبت فى الشيء وجدته دون أن تتفوه به فهل تملك أجهزتك الحديثة أن تفعل هذا ؟ قال :
– سأمر فريق البحث هنا أن يعملوا على ذلك .
ضحك الأخر طويلا وهو يقول :
– دعهم يفعلون فوربي لن يفعلوه .
هل استنفذت كل أنفاسك .. هل ظلمناك فى شيء .. أعطيناك من النعم مالايعد ولا يحصى حتى أشبعت رغباتك وشهواتك .. أحكمت إغلاق الدائرة عليك حتى من الأهل أو زوجة تؤنس بها وحدتك ، وطمعت فى الكل لنفسك .. إياك أن تطلب المزيد .. فما أمهلناك إلا لنختبرك وما أوجدناك إلا لتعود إلينا فرداً مجرداً من كل شئ كما خلقناك .. والان كف عن محاولاتك التشبث بالدنيا فقد أسكرتك شهواتها حتى نسيت أنك إلينا صائر .. هيا بنا .
كان يحاول إسكات هذا الصوت الذي بدأ يعلو بداخله وهو ينزع الأنبوب الرفيع من يده فتتقاطر محتوياته على الأرض ثم ينزع الغطاء البلاستيكي فوق أنفه ..
ترتسم خطوط مستقيمة وينقطع أزيز الجهاز …( وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا ) صدق الله العظيم .



